تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 834

مساهمون:

ص٨٣٤
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) * « 1 » فذلك كله حق ، وليس مجيئه « 2 » جل ذكره كمجيء « 3 » خلقه ، فإنه رب [ كل ] شيء ، ومن كتاب الله عز وجل ما يكون تأويله على غير تنزيله ، ولا يشبه تأويله كلام البشر ولا فعل البشر ، وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إن شاء الله تعالى ، وهو حكاية الله عز وجل عن إبراهيم ( عليه السلام ) حيث قال : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * « 4 » ، فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده ، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله ! وقال : وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ « 5 » ، وقال : وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيه بَأْسٌ شَدِيدٌ ) * « 6 » ، فإنزاله ذلك خلقه إياه ، وكذلك قوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ « 7 » ، أي الجاحدين . فالتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره . ومعنى قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) * ، فإنما خاطب نبينا ( صلى الله عليه وآله ) : هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني بذلك أمر ربك ، والآيات هي العذاب في دار الدنيا كما عذب الأمم السالفة والقرون الخالية ، وقال : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها « 8 » ، يعني بذلك ما يهلك من القرون ، فسماه إتيانا ، وقال : قاتَلَهُمُ اللَّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ « 9 » ، أي لعنهم الله أنى يؤفكون ، فسمى اللعنة قتالا ، وكذلك قال : قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ) * « 10 » ، أي لعن الإنسان ، وقال : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ اللَّه قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّه رَمى « 11 » ، فسمى فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) فعلا له ، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ! ومثله قوله : بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ « 12 » ، فسمى البعث لقاء وكذلك قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ « 13 » ، أي يوقنون أنهم مبعوثون ، ومثله قوله : أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ « 14 » ، يعني أليس يوقنون
هامش
( 1 ) الأنعام 6 : 158 . ( 2 ) في المصدر : وليست جيئته . ( 3 ) في المصدر : كجيئة . ( 4 ) الصافات 37 : 99 . ( 5 ) الزمر 39 : 6 . ( 6 ) الحديد 57 : 25 . ( 7 ) الزخرف 43 : 81 . ( 8 ) الرعد 13 : 41 . ( 9 ) التوبة 9 : 30 . ( 10 ) عبس 80 : 17 . ( 11 ) الأنفال 8 : 17 . ( 12 ) السجدة 32 : 10 . ( 13 ) البقرة 2 : 46 . ( 14 ) المطففين 83 : 4 ، 5 .