تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
الناس معه ، وكاد أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم وجمعهم ، ورجع يهرب منهم ، فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) فأخبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما صنع عمر ، وأنه قد انصرف وانصرف المسلمون معه . فصعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وأخبرهم بما صنع عمر وما كان منه ، وأنه قد انصرف [ وانصرف ] المسلمون معه مخالفا لأمري ، عاصيا لقولي ، فقدم عليه فأخبره بمثل ما أخبر به صاحبه ، فقال : يا عمر ، عصيت الله في عرشه وعصيتني ، وخالفت قولي ، وعملت برأيك ، ألا قبح الله رأيك ، وإن جبرئيل ( عليه السلام ) قد أمرني أن أبعث علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في هؤلاء المسلمين ، وأخبرني أن الله يفتح عليه وعلى أصحابه ، فدعا عليا ( عليه السلام ) وأوصاه بما أوصى به أبا بكر وعمر وأصحابه الأربعة آلاف ، وأخبره أن الله سيفتح عليه وعلى أصحابه . فخرج علي ( عليه السلام ) ومعه المهاجرون والأنصار ، فسار بهم سيرا غير سير أبي بكر وعمر ، وذلك أنه أعنف بهم في السير حتى خافوا أن ينقطعوا « 1 » من التعب وتحفى « 2 » دوابهم ، فقال لهم : لا تخافوا ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد أمرني بأمر ، وأخبرني أن الله سيفتح علي وعليكم ، فأبشروا فإنكم على خير وإلى خير ، فطابت نفوسهم وقلوبهم ، وساروا على ذلك السير والتعب ، حتى إذا كان قريبا منهم حيث يرونه ويراهم ، أمر أصحابه أن ينزلوا ، وسمع أهل وادي اليابس بمقدم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأصحابه ، فخرج إليهم منهم مائتا رجل شاكين في السلاح ، فلما رآهم علي ( عليه السلام ) خرج إليهم في نفر من أصحابه ، فقالوا لهم : من أنتم ؟ ومن أين أقبلتم ؟ وأين تريدون ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخوه ، ورسوله إليكم ، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ولكم [ إن آمنتم ] ما للمسلمين وعليكم ما عليهم من خير وشر . فقالوا له : إياك أردنا ، وأنت طلبتنا « 3 » ، قد سمعنا مقالتك وما عرضت علينا ، [ هذا ما لا يوافقنا ] ، فخذ حذرك ، واستعد للحرب العوان « 4 » ، واعلم أنا قاتلوك وقاتلوا أصحابك ، والموعود فيما بيننا وبينك غدا ضحوة ، وقد أعذرنا فيما بيننا وبينك . فقال [ لهم ] علي ( عليه السلام ) : ويلكم تهددوني بكثرتكم وجمعكم ، فأنا أستعين بالله وملائكته والمسلمين عليكم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فانصرفوا إلى مراكزهم ، وانصرف علي ( عليه السلام ) إلى مركزه ، فلما جن الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى دوابهم ويقضموا « 5 » ويحسوا « 6 » ويسرجوا ، فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس ، ثم أغار عليهم بأصحابه ، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل ، فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل
هامش
( 1 ) في « ج » يتقلعوا . ( 2 ) حفيّ من كثرة المشي أي رقّت قدمه أو حافره . « لسان العرب 14 : 187 » . ( 3 ) الطَّلية : أي المطلوب . ( 4 ) وهي الحرب التي قوتل فيها مرّة بعد أخرى كأنهم جعلوا الأولى بكرا ، والحرب العوان هي أشدّ الحروب . « أقرب الموارد 2 : 850 » . ( 5 ) أقضم القوم : امتاروا شيئا قليلا في القحط ، وأقضم الدابة : علفها القضيم ، وهو نبت من الحمض . ( 6 ) حسّ الدابة : نفض التراب عنها بالمحسّة .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 734 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة