ثم قبض على يدي وسار على وجه الماء ، والخيل تتبعنا ، لا يقودها أحد ، فوالله ما ابتلت أقدامنا ولا حوافر الخيل ، قال سلمان : فعبرنا ذلك البحر ، فدفعنا إلى جزيرة كثيرة الأشجار والأثمار والأطيار والأنهار ، وإذا بشجرة عظيمة بلا جذع ولا زهر ، فهزها صلوات الله عليه بقضيب كان في يده ، فانشقت ، وخرجت منها ناقة طولها ثمانون ذراعا ، وعرضها أربعون ذراعا ، وخلفها قلوص ، فقال لي : « ادن منها ، واشرب من لبنها حتى تروى » فدنوت منها ، وشربت حتى رويت ، وكان لبنها أعذب من الشهد ، وألين من الزبد ، فقال لي « يا سلمان ، هذا حسن » ؟ فقلت يا مولاي ، وما أحسن منها ! فقال : « تريد أن أريك ما هو أحسن منها ؟ » فقلت : نعم يا أمير المؤمنين فنادى ( عليه السلام ) :
« أخرجي يا حسناء « 1 » » فخرجت إلينا ناقة طولها مائة ذراع وعشرون ذراعا ، وعرضها ستون ذراعا ، ورأسها من الياقوت الأحمر ، وصدرها من العنبر الأشهب ، وقوائمها من الزبرجد الأخضر ، وزمامها من الياقوت الأخضر ، وجنبها الأيمن من الذهب ، وجنبها الأيسر من الفضة ، وعرضها من اللؤلؤ الرطب ، فقال لي : « يا سلمان ، اشرب من لبنها » ، قال سلمان : فالتقمت « 2 » الضرع ، فإذا هي تحلب عسلا صافيا محضا ، فقلت : يا سيدي هذه لمن ؟ قال : « هذه لك يا سلمان ، ولسائر المؤمنين من أوليائي » . ثم قال ( عليه السلام ) : « ارجعي إلى الشجرة » فرجعت من الوقت .
وساقني إلى تلك الجزيرة وحتى ورد بي إلى شجرة ، وفي أصلها مائدة عظيمة فيها طعام ، تفوح منها رائحة المسك ، وإذا بطائر في صورة النسر العظيم ، قال سلمان : فوثب ذلك الطير ، فسلم عليه ورجع إلى موضعه ، فقلت :
يا أمير المؤمنين ما هذه المائدة ؟ فقال : « هذه منصوبة في هذا الموضع لشيعتنا » فقلت : ما هذا الطائر ؟ قال : « ملك موكل بها إلى يوم القيامة » فقلت : وحده يا سيدي ؟ فقال : « يجتاز به الخضر ( عليه السلام ) كل يوم مرة » .
ثم قبض بيدي ثم سار إلى بحر آخر فعبرنا إذا بجزيرة عظيمة فيها قصر ، لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، وشرافها من عقيق أصفر ، وعلى كل ركن من القصر سبعون صفا « 3 » من الملائكة ، فسلموا عليه « ثم أذن لهم ، فرجعوا إلى أماكنهم ، قال سلمان ( رضي الله عنه ) : ثم دخل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى القصر ، وإذا فيه أشجار ، وأثمار ، وأنهار ، وأطيار ، وألوان النبات ، فجعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يمشي فيه ، حتى وصل إلى آخره ، فوقف ( عليه السلام ) على بركة في البستان ، ثم صعد على سطحه ، وإذا بكرسي من الذهب الأحمر ، فجلس عليه ، وأشرفنا على القصر ، وإذا ببحر أسود يتغطغط بأمواجه كالجبال الراسيات ، فنظر إليه شزرا ، فسكن من غليانه ، حتى كأنه المذنب ، فقلت : سكن البحر من غليانه لما نظرت إليه ! فقال : « خشي أن آمر فيه بأمر ، أتدري - يا سلمان - أي بحر هذا « ؟ فقلت : لا ، يا سيدي . فقال : « هذا البحر الذي غرق « 4 » فيه فرعون وملؤه ، إن المدينة حملت على جناح جبرئيل ( عليه السلام ) ، ثم زخ « 5 » بها في الهواء ، فهوت إلى قراره إلى يوم القيامة » .
هامش
( 1 ) في « ج » : يا حسن .
( 2 ) في « ق » : فالتمست .
( 3 ) في « ج » : ألفا .
( 4 ) في « ط » : عذّب .
( 5 ) زخّه : دفعه . وفي « ج » : زجّ ، وزجّ بالشيء من يده يزج زجّا : رمى به . « لسان العرب - زجج - 2 : 286 » .