تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 668

مساهمون:

ص٦٦٨
وجدت في كتاب آدم ( عليه السلام ) الذي كتب يوم سمي له ما في الأرض من عين أو شجر ، فوجدت فيه أن الله عينا تدعى عين الحياة ، فيها من الله عزيمة أنه من يشرب منها لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت ، بظلمة لم يطأها إنس ولا جان . ففرح ذو القرنين ، وقال : ادن مني أيها الغلام ، تدري أين موضعها ؟ قال : نعم ، وجدت في كتاب آدم ( عليه السلام ) أنها على قرن الشمس ، - يعني مطلعها - ففرح ذو القرنين وبعث إلى أهل مملكته ، فجمع أشرافهم وفقهاءهم وعلماءهم وأهل الحكم منهم ، واجتمع إليه ألف حكيم وعالم وفقيه ، فلما اجتمعوا إليه تهيأ للمسير وتأهب له بأعد العدة وأقوى القوة ، فسار بهم يريد مطلع الشمس ، يخوض البحار ويقطع الجبال والفيافي والأرضين والمفاوز ، فسار اثنتي عشرة سنة ، حتى انتهى إلى طرف الظلمة ، فإذا هي ليست بظلمة ليل ولا دخان ، ولكنها هواء يفور مد ما بين الأفقين ، فنزل بطرفها وعسكر عليها ، وجمع علماء أهل عسكره وفقهاءهم وأهل الفضل منهم ، وقال يا معشر الفقهاء ، والعلماء ، إني أريد أن أسلك هذه الظلمة . فخروا له سجدا ، وقالوا : أيها الملك ، إنك لتطلب أمرا ما طلبه ولا سلكه أحد ممن كان قبلك من النبيين والمرسلين ولا من الملوك . قال : إنه لا بد لي من طلبها . قالوا : يا أيها الملك ، إنا لنعلم أنك إذا سلكتها ظفرت بحاجتك بغير منة « 1 » عليك لأمرنا ، ولكنا نخاف أن يعلق بك منها أمر يكون فيه هلاك ملكك وزوال سلطانك ، وفساد من في الأرض ؟ فقال : لا بد من أن أسلكها . فخروا سجدا لله ، وقالوا : إنا نتبرأ إليك مما يريد ذو القرنين . فقال : ذو القرنين : يا معشر العلماء ، أخبروني بأبصر الدواب ؟ قالوا : الخيل الإناث الأبكار أبصر الدواب ، فانتخب من عسكره ، فأصاب ستة آلاف فرس إناثا أبكارا ، وانتخب من أهل العلم والفضل والحكمة ستة آلاف رجل ، فدفع إلى كل رجل فرسا ، وعقد لافسحر - وهو الخضر - على ألف فرس ، فجعلهم على مقدمته ، وأمرهم أن يدخلوا الظلمة ، وسار ذو القرنين في أربعة آلاف ، وأمر أهل عسكره أن يلزموا معسكره اثنتي عشرة سنة ، فإن رجع هو إليهم إلى ذلك الوقت ، وإلا تفرقوا في البلاد ، ولحقوا ببلادهم ، أو حيث شاؤوا ، فقال الخضر ( عليه السلام ) : أيها الملك ، إنا نسلك في الظلمة ، لا يرى بعضنا بعضا كيف نصنع بالضلال إذا أصابنا ؟ فأعطاه ذو القرنين خرزة حمراء كأنها مشعلة لها ضوء ، وقال : خذ هذه الخرزة فإذا أصابكم الضلال فارم بها إلى الأرض فإنها تصيح ، فإذا صاحت رجع أهل الضلال إلى صوتها . فأخذها الخضر ( عليه السلام ) ومضى في الظلمة ، وكان الخضر ( عليه السلام ) : يرتحل ، وينزل ذو القرنين ، فبينما الخضر يسير ذات يوم ، إذا عرض له واد في الظلمة ، فقال لأصحابه : قفوا في هذا الموضع ، لا يتحركن أحد منكم من موضعه . ونزل عن فرسه ، فتناول الخرزة ، فرمى بها في الوادي ، فأبطأت عنه بالإجابة حتى ساء ظنه أو خاف أن لا تجيبه ، ثم أجابته ، فخرج إلى صوتها فإذا هي على جانب العين التي يقفوها ، وإذا ماؤها أشد بياضا من اللبن ، وأصفى من الياقوت ، وأحلى من العسل ، فشرب منه ، ثم خلع ثيابه واغتسل منها ، ثم لبس ثيابه ثم رمى بالخرزة نحو أصحابه ، فأجابته فخرج إلى أصحابه ، وركب وأمرهم بالمسير فساروا .
هامش
( 1 ) في المصدر : منها بغير عنت .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 668 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة