تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
لا يعلمون ، فالرزق مقسوم ، وهو يأتي ابن آدم على أي مسيرة سارها من الدنيا ، ليس بتقوى متق بزائده ، ولا فجور فاجر بناقصه ، وبينه وبينه ستر وهو طالبه ، فلو أن أحدكم يفر من رزقه ، لطلبه رزقه كما يطلبه الموت . فقال الله جل جلاله : قولوا : الحمد لله على ما أنعم علينا ، وذكرنا به من خير في كتب الأولين ، قبل أن نكون ، ففي هذا إيجاب على محمد وآل محمد ( صلوات الله عليهم ) وعلى شيعتهم أن يشكروه بما فضلهم ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : لما بعث الله موسى بن عمران ( عليه السلام ) ، واصطفاه نجيا ، وفلق له البحر ، ونجى بني إسرائيل ، وأعطاه التوراة والألواح ، رأى مكانه من ربه عز وجل ، فقال : يا رب ، لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبلي . فقال الله تعالى : يا موسى ، أما علمت أن محمدا أفضل عندي من جميع ملائكتي وجميع خلقي ؟ قال موسى ( عليه السلام ) : يا رب ، فإن كان محمدا أكرم عندك من جميع خلقك ، فهل في آل الأنبياء أكرم من آلي ؟ فقال الله تعالى : يا موسى ، أما علمت أن فضل آل محمد على جميع آل النبيين ، كفضل محمد على جميع المرسلين . قال موسى : يا رب ، فإن كان آل محمد كذلك ، فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمتي ؟ ظللت عليهم الغمام ، « 1 » وأنزلت عليهم المن « 2 » والسلوى « 3 » وفلقت لهم البحر . فقال الله جل جلاله : يا موسى ، أما علمت أن فضل أمة محمد على جميع الأمم ، كفضله على جميع خلقي . قال موسى : يا رب ، ليتني كنت أراهم ، فأوحى الله جل جلاله إليه : يا موسى ، إنك لن تراهم ، وليس هذا أوان ظهورهم ، ولكن سوف تراهم في الجنان ، جنات عدن والفردوس ، بحضرة محمد في نعيمها يتقلبون ، وفي خيراتها يتبحبحون ، « 4 » أفتحب أن أسمعك كلامهم ؟ قال : نعم ، إلهي . قال الله جل جلاله : قم بين يدي واشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي الرب الجليل . ففعل ذلك موسى ، فنادى ربنا عز وجل : يا أمة محمد . فأجابوه كلهم وهم في أصلاب آبائهم ، وأرحام أمهاتهم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، قال : فجعل تلك الإجابة شعار الحاج . ثم نادى ربنا عز وجل : يا أمة محمد ، إن قضائي عليكم أن رحمتي سبقت غضبي ، وعفوي قبل عقابي ، قد استجبت لكم ، من قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني ، من لقيني منكم بشهادة : أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، صادقا في أقواله ، محقا في أفعاله ، وأن علي بن أبي طالب أخوه ووصيه ووليه ، ويلتزم طاعته كما يلتزم طاعة محمد ، وأن أولياءه المصطفين المطهرين ، المبلغين بعجائب آيات الله ،
هامش
( 1 ) الغمام : السّحاب الأبيض ، سميي بذلك لأنّه يغمّ السّماء ، أي يسترها . « مجمع البحرين - غمم - 6 : 128 » . ( 2 ) المنّ : شي حلو ، كان يسقط من السّماء على شجرهم فيجتنونه ، ويقال : ما منّ اللَّه به على العباد بلا تعب ولا عناء . « مجمع البحرين - منن - 6 : 318 » . ( 3 ) السّلوى : طائر . « الصحاح - سلا - 6 : 2380 » . ( 4 ) بحبح في الشّيء : توسّع ، وبحبح في الدار : تمكّن في المقام والحلول بها ، وبحبح الدّار : توسّطها . « المعجم الوسيط - بحبح - 1 : 39 » .