وتلخيص مذهب مالك في ذلك : أنها تلزم الرجال عمن ألزمه الشرع النفقة عليه ، ووافقه
في ذلك الشافعي ، وإنما يختلفا من قبل اختلافهم فيمن تلزم المرء نفقته ، إذا كان معسرا ، ومن
ليس تلزمه وخالفه أبو حنيفة في الزوجة ، وقال تؤدي عن نفسها وخالفهم أبو ثور في العبد
إذا كان له مال ، فقال : إذا كان له مال زكى عن نفسه ، ولم يزك عنه سيده وبه قال أهل الظاهر .
والجمهور على أنه لا تجب على المرء في أولاده الصغار ، إذا كان لهم مال زكاة فطر ، وبه قال
الشافعي ، وأبو حنيفة ، ومالك وقال الحسن هي على الأب ، وإن أعطاها من مال الابن ، فهو ضامن
وليس من شرط هذه الزكاة الغنى عند أكثرهم ، ولا نصاب ، بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت
عياله . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا تجب على من تجوز له الصدقة ، لأنه لا يجتمع أن تجوز له ،
وأن تجب عليه وذلك بين . والله أعلم . وإنما اتفق على أن هذه الزكاة ليست بلازمة
لمكلف مكلف في ذاته فقط ، كالحال في سائر العبادات ، بل ومن قبل غيره لايجابها على
الصغير ، والعبيد . فمن فهم من هذا أن علة الحكم الولاية ، قال : الولي يلزمه اخراج الصدقة
عن كل من يليه ، ومن فهم من هذه النفقة ، قال : المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق
عليه بالشرع . وإنما عرض هذا الاختلاف لأنه اتفق في الصغير ، والعبد ، وهما اللذان نبها على
أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط ، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها
ووجوب النفقة ، فذهب مالك إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة ، وذهب أبو حنيفة إلى أن
العلة في ذلك الولاية . ولذلك اختلفوا في الزوجة وقد روي مرفوعا أدوا زكاة الفطر عن كل
من تمونون ولكنه غير مشهور . واختلفوا من العبيد في مسائل : إحداها : كما قلنا وجوب زكاته
على السيد ، إذا كان له مال ، وذلك مبني على أنه يملك ، أو لا يملك . والثانية : في العبد الكافر
هل يؤدى عنه زكاته أم لا ؟ فقال مالك والشافعي ، وأحمد : ليس على السيد في العبد الكافر
زكاة وقال الكوفيون : عليه الزكاة فيه . والسبب في اختلافهم : اختلافهم في الزيادة الواردة في
ذلك في حديث ابن عمر ، وهو قوله من المسلمين ، فإنه قد خولف فيها نافع بكون ابن عمر
أيضا الذي هو راوي الحديث من مذهبه اخراج الزكاة عن العبيد الكفار وللخلاف أيضا سبب
آخر ، وهو كون الزكاة الواجبة على السيد في العبد هل هي لمكان أن العبد مكلف ، أو أنه
مال ؟ فمن قال : لمكان أنه مكلف اشترط الاسلام ومن قال : لمكان أنه مال لم يشترطه ، قالوا :
ويدل على ذلك إجماع العلماء على أن العبد ، إذا أعتق ، ولم يخرج عنه مولاه زكاة الفطر أنه
لا يلزمه اخراجها عن نفسه بخلاف الكفارات . والثالثة في المكاتب : فإن مالكا وأبا ثور قالا :
يؤدي عنه سيده زكاة الفطر وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأحمد : لا زكاة عليه فيه . والسبب في
اختلافهم : تردد المكاتب بين الحر ، والعبد . والرابعة في عبيد التجارة : ذهب مالك
والشافعي ، وأحمد إلى أن على السيد فيهم زكاة الفطر وقال أبو حنيفة ، وغيره : ليس في عبيد
التجارة صدقة . وسبب الخلاف : معارضة القياس للعموم ، وذلك أن عموم اسم العبد يقتضي
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 224
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢٤