عليه الصلاة والسلام أغنياء لقوله في حديث معاذ له فأخبرهم أن الله فرض عليهم
صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، وترد على فقرائهم وإذا كان الأغنياء هم الذين ، هم أهل النصاب
وجب أن يكون الفقراء ، وقال مالك : ليس في ذلك حد ، إنما هو راجع إلى
الاجتهاد . وسبب ضدهم اختلافهم : هل الغنى المانع هو معنى شرعي ، أم معنى لغوي ؟ فمن قال :
معنى شرعي قال وجود النصاب هو الغنى ، ومن قال : معني لغوي اعتبر في ذلك أقل
ما ينطلق عليه الاسم ، فمن رأى أن أقل ما ينطلق عليه الاسم هو محدود في كل وقت ، وفي
كل شخص جعل حده هذا ، ومن رأى أنه غير محدود ، وأن ذلك يختلف باختلاف الحالات ،
والحاجات ، والاشخاص ، والأمكنة ، والأزمنة ، وغير ذلك ، قال : هو غير محدود ، وأن ذلك
راجع إلى الاجتهاد . وقد روى أبو داود في حديث الغنى الذي يمنع الصدقة عن النبي ( ص )
أنه ملك خمسين درهما . وفي أثر آخر أنه ملك أوقية ، وهي أربعون درهما وأحسب أن قوما
قالوا بهذه الآثار في حد الغنى . واختلفوا من هذا الباب في صفة الفقير ، والمسكين ، والفصل
الذي بينهما فقال قوم : الفقير أحسن حالا من المسكين ، وبه قال البغداديون من أصحاب
مالك وقال آخرون : المسكين أحسن حالا من الفقير ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه
والشافعي في أحد قوليه وفي قوله الثاني أنهما اسمان دالان على معنى واحد وإلى هذا
ذهب ابن القاسم ، وهذا النظر هو لغوي إن لم يكن له دلالة شرعية ، والأشبه عند استقراء
اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد ، يختلف بالأقل ، والأكثر في كل واحد منهما ،
لا أن هذا راتب من أحدهما على قدر غير القدر الذي الآخر راتب عليه . واختلفوا في قوله
تعالى : * ( وفي الرقاب ) * فقال مالك : هم العبيد يعتقهم الامام ويكون ولاؤهم
للمسلمين وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : هم المكاتبون . وابن السبيل هو عندهم المسافر في
طاعة ينفذ زاده ، فلا يجد ما ينفقه ، وبعضهم يشترط فيه أن يكون ابن السبيل جار الصدقة .
وأما في سبيل الله فقال مالك : سبيل الله مواضع الجهاد ، والرباط ، وبه قال أبو حنيفة
وقال غيره : الحجاج والعمار وقال الشافعي : هو الغازي جار الصدقة ، وإنما اشترط جار
الصدقة لان عند أكثرهم أنه لا يجوز تنقيل الصدقة من بلد إلى بلد إلا من ضرورة .
الفصل الثالث : كم يجب لهم ؟
وأما قدر ما يعطى من ذلك ، أما الغارم ، فبقدر ما عليه إذا كان دينه في طاعة وفي
غير سرف ، بل في أمر ضروري ، وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله إلى بلده ، ويشبه أن
يكون ما يحمله إلى مغزاه عند من جعل ابن السبيل الغازي . واختلفوا في مقدار ما يعطى
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 221
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢١