شرح
أنه إذا طبخ ثم أسكر فهل قليله حلال أو حرام ؟ ، فأكبر الظن أن هذا
المخالف المشار إليه في الرواية كان ممن لا يستحل المسكر ، لا أنه لا يستحل
المطبوخ على النصف بما هو ، ومع ذلك عبر عنه بأنه لا يستحل المطبوخ
على النصف وهي عبارة مشابهة جدا لعبارة : أن الطلا إذا زاد على الثلث
فهو حرام . وهذا يؤيد أن أمثال هذه العبارات كان يراد بها الإشارة إلى
ما ذكرناه ، من أن الطلا لا ترفع حرمته الإسكارية بمجرد الطبخ ، لا فرض
حرمة جديدة تحصل بنفس الطبخ على النار . وبهذا تسقط دلالة الطائفة
الأولى من الروايات على حرمة مستقلة .
والمسألة الثانية هي : أن العصير العنبي الذي لا إشكال في حرمته
إذا غلا وأسكر ما هو ميزان التحريم فيه ؟ فهناك من يقول : إن الميزان
هو الغليان . وآخر يقول : إن الميزان هو أن يغلي ويزبد . وثالث يقول
بل البقاء ثلاثة أيام . ورابع : يجعل الميزان البقاء عشرة أيام . هذا
نزاع تضمن جهات نظر وكلمات كثيرة من الصحابة والتابعين والفقهاء .
وهذا يجعل من المحتمل قويا في الروايات الدالة على أن العصير العنبي إذا
غلى ونش حرم ، والتي لم يؤخذ فيها عنوان الطبخ بالنار ، أن تكون
ناظرة إلى هذا المعنى ، ومسوقة لبيان أن الميزان في التخمير وثبوت حكم
الخمر الغليان والنشيش دون سائر العناوين المذكورة في كلمات المتنازعين
وليست مسوقة لبيان حكم ما إذا غلى بالنار ولم يسكر . فمثلا في رواية
جاء : " لا بأس بشرب العصير ستة أيام . وقال ابن أبي عمير : معناه
ما لم يغل " ، فهذا ردع عن كون الميزان عدد الأيام . وفي رواية أخرى
جاء : " إذا نش العصير أو غلى حرم " ، فهذا ردع عن اشتراط
الإزباد مثلا . والحاصل : فرق بين أن تساق مثل هذه القضية لإنشاء
حرمة بها ، وبين أن تساق لتحديد الميزان في حرمة مفروغ عنها . وارتكازية