شرح
ما ادعي أن الأئمة عليهم السلام شنوا حملة شديدة ضد الفكرة القائلة بإباحة
غير الخمر من أنواع الأنبذة التي يسكر كثيرها دون قليلها ، ولم يؤثر عنهم
أي تساهل في ذلك ، فلو كان هناك اتجاه نحو مجاملة فسق السلاطين لاقتضى
خلاف تلك الحملة ، حتى روي عن الإمام الصادق ( ع ) في شأن النبيذ
المسكر : والله إنه لشئ ما اتقيت فيه سلطانا ولا غيره ( 1 ) .
ثم إن روايات الطهارة بحسب ألسنتها لا تناسب الحمل على التقية
لوضوحها وصراحة بعضها واشتمالها على التعليل بأن الله إنما حرم شربها
لا الصلاة فيها ، مع أن لسان التقية عادة لسان الإجمال والاضطراب لا التفصيل
والتعليل والتأكيد . وشاهد آخر : إذا لاحظنا رواية حريز وهو عطف
ودك الخنزير على الخمر ، مع أنه لم يفت أحد من فقهاء السنة بطهارة شحم
الخنزير ولحمه ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه أكل لحم الخنزير .
ومما تقدم ربما تنقدح صيغة ثالثة للحمل على التقية معاكسة للوجهين
السابقين ، وهي حمل أخبار النجاسة على التقية ، لما عرفت من موافقتها
للرأي الفقهي العام عند السنة . وهذا حمل معقول في نفسه ، وأوجه من
الوجهين السابقين للتقية ، ولكنه أيضا لا يناسب أخبار النجاسة ، لأننا
نلاحظ فيها نوعا من التأكيد البالغ والحث الشديد على التجنب ، والأمر
بغسل الملاقي ثلاث مرات كما في رواية عمار ، وعطف النبيذ والمسكر على
الخمر ، فلو كان الحكم الواقعي هو الطهارة فلما ذا هذا الإلحاح والتأكيد
على الغسل والتجنب ؟ ! ، خصوصا مع عدم وجوب تعدد الغسل عند
العامة وعدم نجاسة الأنبذة ، بل حلية شرب القليل منها عند جملة منهم
إذا كان المسكر كثيرها فقط ، فمع ملاحظة جملة من هذه الخصوصيات
التي لا تقتضيها التقية يحصل الوثوق بعدم صدور روايات النجاسة تقية .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأشربة المحرمة .