تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في شرح العروة الوثقى — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
شرح
ما ادعي أن الأئمة عليهم السلام شنوا حملة شديدة ضد الفكرة القائلة بإباحة غير الخمر من أنواع الأنبذة التي يسكر كثيرها دون قليلها ، ولم يؤثر عنهم أي تساهل في ذلك ، فلو كان هناك اتجاه نحو مجاملة فسق السلاطين لاقتضى خلاف تلك الحملة ، حتى روي عن الإمام الصادق ( ع ) في شأن النبيذ المسكر : والله إنه لشئ ما اتقيت فيه سلطانا ولا غيره ( 1 ) . ثم إن روايات الطهارة بحسب ألسنتها لا تناسب الحمل على التقية لوضوحها وصراحة بعضها واشتمالها على التعليل بأن الله إنما حرم شربها لا الصلاة فيها ، مع أن لسان التقية عادة لسان الإجمال والاضطراب لا التفصيل والتعليل والتأكيد . وشاهد آخر : إذا لاحظنا رواية حريز وهو عطف ودك الخنزير على الخمر ، مع أنه لم يفت أحد من فقهاء السنة بطهارة شحم الخنزير ولحمه ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه أكل لحم الخنزير . ومما تقدم ربما تنقدح صيغة ثالثة للحمل على التقية معاكسة للوجهين السابقين ، وهي حمل أخبار النجاسة على التقية ، لما عرفت من موافقتها للرأي الفقهي العام عند السنة . وهذا حمل معقول في نفسه ، وأوجه من الوجهين السابقين للتقية ، ولكنه أيضا لا يناسب أخبار النجاسة ، لأننا نلاحظ فيها نوعا من التأكيد البالغ والحث الشديد على التجنب ، والأمر بغسل الملاقي ثلاث مرات كما في رواية عمار ، وعطف النبيذ والمسكر على الخمر ، فلو كان الحكم الواقعي هو الطهارة فلما ذا هذا الإلحاح والتأكيد على الغسل والتجنب ؟ ! ، خصوصا مع عدم وجوب تعدد الغسل عند العامة وعدم نجاسة الأنبذة ، بل حلية شرب القليل منها عند جملة منهم إذا كان المسكر كثيرها فقط ، فمع ملاحظة جملة من هذه الخصوصيات التي لا تقتضيها التقية يحصل الوثوق بعدم صدور روايات النجاسة تقية .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة باب 22 من أبواب الأشربة المحرمة .