الفصل التاسع عشر : الإمام الباقر العديل القرآن ٦٥٥
والمثال الأول من السيرة في بدء الوحي يقول الله تعالى : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ
رَآهُ بِالآفُقِ المُبِينِ . وقد روى الشيعة عن أئمتهم : ( فلما استكمل أربعين سنة ، نظر الله عَزَوَجَلَّ
إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها ، فأذن لأبواب
الله
السماء ففتحت ومحمد له ينظر إليها وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد له ينظر إليهم ،
وأمر بالرحمة فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغمرته ، ونظر إلى
جبرئيل الروح الأمين المطوق بالنور ، طاووس الملائكة هبط إليه وأخذ بضبعه
وهزه ، وقال : يا محمد إقرأ . قال : وما أقرأ ؟ قال : يا محمد : إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .
خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ . إقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ . ثم
أوحى إليه ربه عَزَوَجَلَّ ما أوحى إليه ، ثم صعد جبرئيل إلى العلو . ونزل محمد ﷺ من
الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله ، وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه به الحمى
والنافض ، وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره ونسبتهم إياه إلى
الجنون ، وأنه يعتريه شيطان ، وكان من أول أمره أعقل خليقة الله وأكرم براياه ،
وأبغض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم . فأراد الله عَزَّوَجَلَّ أن يشرح
صدره ويشجع قلبه ، فأنطق الجبال والصخور والمدر وكلما وصل إلى شئ منها ناداه :
السلام عليك يا محمد ، السلام عليك يا ولي الله السلام عليك يا رسول الله ، السلام
عليك يا حبيب الله ، أبشر فإن الله عزوجل قد فضلك وجملك وزيَّنك وأكرمك فوق
الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين . لا يحزنك قول قريش : إنك مجنون وعن
الدين مفتون ، فإن الفاضل من فضَّله رب العالمين ، والكريم من كرمه خالق الخلق
أجمعين ، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك ، فسوف يبلغك
