۱۰۸ الإمام محمد الباقر ، السيرة الكاملة
وجلوسه بغير إذن ، فأقبل يوبخه ويقول فيما يقول له : يا محمد بن علي لا يزال الرجل
منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفهاً وقلة علم ! ووبخه
بما أراد أن يوبخه ! فلما سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبخه حتى انقضى
آخرهم ، فلما سكت القوم نهض الالها قائماً ثم قال : أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم ،
بنا هدى الله أولكم وبنا يختم آخر كم ، فإن يكن لكم ملك معجل فإن لنا ملكاً مؤجلاً ، وليس بعد
ملكنا ملك ، لأنا أهل العاقبة يقول الله عزوجل : والعاقبة للمتقين !
فأمر به إلى الحبس ، فلما صار إلى الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه
وحن إليه ، فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال : يا أمير المؤمنين إني خائف عليك
من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا ، ثم أخبره بخبره ! فأمر به فحمل
على البريد هو وأصحابه ليردوه إلى المدينة ، وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق وحال
بينهم وبين الطعام والشراب ، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا شراباً حتى انتهوا
إلى مدين ، فأغلق باب المدينة دونهم ، فشكا أصحابه الجوع والعطش قال : فصعد
جبلاً ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته : يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقية الله ، يقول
الله : بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٌ . قال : وكان فيهم شيخ كبير
فأتاهم فقال لهم يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبي ! والله لئن لم تخرجوا إلى هذا
الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، فصدقوني في هذه المرة
وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون ، فإني لكم ناصح ، قال : فبادروا فأخرجوا إلى محمد
بن علي وأصحابه بالأسواق . فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ ، فبعث إليه فحمله
فلم يدر ما صنع به ) .
