٤٠٨ الجديد في النبي : ( المجلد الأول )
نظره الملاحظة بسوق أصحابه ، يبدر من لقي بالسلام .
قلت صف لي منطقه قال كان رسول الله ﷺ مواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست
له ، راحة ، لا يتكلم في غير حاجة ، طويل الصمت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، ويتكلم
بجوامع الكلم ، فضل لا فضول ولا تقصير ، دَمِةٌ ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن
دقت لا يذم ذواقاً ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ، فإذا نوزع الحق لم يعرفه أحد
ولم يقم لغضبه شئ لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب
قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها ، فيضرب بباطن راحة اليمنى باطن إبهامه اليسرى ، وإذا غضب
أعرض وأشاح ، وإذا ضحك غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام .
قال الحسن الله : فكتمتها الحسين زماناً ، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسألته عما سألته
ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومجلسه ومخرجه وشكله ، فلم يدع منه شيئاً .
قال الحسين : سألت أبي عن دخول رسول الله له قال : كان دخوله لنفسه مأذون له في
ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ نفسه ثلاثة أجزاء جزء الله وجزء لأهله وجزء لنفسه ، ثم جزاً
نفسه بينه وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ، فلا يدخر عنهم شيئاً ، فكان من سيرته
جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه ، وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ومنهم
ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم فيما يصلحهم ويلائمهم ، ويخبرهم بالذي ينبغي
لهم ، ويقول ليبلغ الشاهد الغائب ، وأبلغوا في حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، يثبت الله قدميه
يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذاك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون رواداً ولا يتفرقون إلا عن
ذواق ، ويخرجون أذلة .
قال فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه فقال : كان رسول الله له يخزن لسانه إلا مما ينفعهم
ويؤلفهم ولا يفرقهم ، أو قال ولا ينفرهم ، فيكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس
ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد سره ولا خلقه ، يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما
في الناس ، ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة
أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس
خيارهم أفضلهم عنده أعظمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة .
