۳۲۸ الجديد في النبي عليه ( المجلد الأول )
لم تفهم قريش معنى اللعن في الإسلام !
المفهوم الإسلامي للعن أنه حكم إلهي بطرد شخص شرير من رحمة الله تعالى ، وهو كأي
حكم لايكون إلا بوحي الله تعالى ، ولا يثبت إلا بتبليغ من النبي ، فيكون معنى قوله :
لعن الله فلاناً ، أن الله أخبرني أنه صدر فيه حكم الطرد من رحمته ، وها أنا أخبركم . أما إنشاء اللعن
بقولك : لعن الله فلاناً ، فمعناه أني ألعن من لعنه الله تعالى ، فإن كان الشخص ملعوناً من الله تعالى
فلعنك في محله ، وإلا فهو مجرد ادعاء منك ، ليس له أي أثر !
لكن قريشاً أخذوا مفهومهم للعن من ثقافتهم الوثنية وثقافة اليهود ! فاللعن عندهم إنشاء ،
وله تأثير وضعي ( أتوماتيكي ) من أي شخص صدر !
وقد أصر القرشيون على ذلك وادعوا أن لعن النبي لعل الله لزعماء قريش المشركين كان عملاً من
عند نفسه ، وأن الله تعالى وبَّخَه على ذلك وأنزل عليه آية : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْئ ! فندم النبي على
ظلمه لقريش ودعا الله أن يجعل لعنته لهم ( صلاةً ، وقربةً ، وزكاةً وأجراً ، وزكاةً ورحمةً ، وكفارةً
له يوم القيامة ، وقربةً تقربه بها يوم القيامة ، ومغفرةً وعافيةً ، وكذا وكذا .. وبركةً ورحمةً ومغفرةً
وصلاةً .. على حد تعابيرهم ) !
ونسبوا ذلك الى النبي له بعشرات الروايات في صحاحهم ( البخاري : ١٥٧/٧ ) فصار الملعونون
بهذه الأدعية أربح وأفضل من غيرهم !
لكن مع هذا بقيت حساسيتهم من اللعن فلو أن شخصاً لعن بعيراً لنفروا منه لأنه حلت
فيه اللعنة وصار مشؤوماً ولم يرافقوه رغم حاجتهم إليه !
وقد فعل ذلك عمر ، فروى مسلم ( ۲۳/۸ ) وابن أبي شيبة ( ١٦٣/٦ ) بسند صحيح : ( بينما عمر يسير
في أصحابه وفي القوم رجل يسير على بعير له من القوم يضعه حيث يشاء فلا أدري بما التوى
عليه فلعنه فقال عمر : من هذا اللاعن ؟ قالوا فلان قال تخلف عنا أنت وبعيرك ، لا تصحبنا
راحلة ملعونة ) !
وعلى هذا بنى أتباع قريش فقههم ! قال ابن رجب الحنبلي في شرح حديث لبيك / ٤٧ : ( كان
بعض السلف لا يدخل بيته بشئ ملعون ، ولا يأكل من بيض دجاجة يلعنها ، ولا يشرب من
