تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
فعلى هذا القول " المدعي : من إذا سكت ، يترك ، والمدعى عليه من إذا سكت ، لم يترك " . والقول الثاني - القول قول المرأة ، لأنها تدعي أمراً ظاهراً ، وهو ترتب الإسلام ؛ فإن إسلامهما معاً يندر ، ولا يتفق وقوعه ، فعلى هذا ؛ المدعي من يدعي أمراً باطناً ، والمدعى عليه من يدعي أمراً ظاهراً . ثم أخذ الإصطخري هذا المسلك في الظهور والخفاء ، فردّ دعاوى قبلها كافة الأصحاب ، وقال : إذا ادعى رجل من السُّفَّل ( 1 ) معاملةَ رجل عظيم القدر في أمر يبعد وقوعه ، قال : دعواه مردودة ، وهذا كما إذا ادعى الرجل الخسيس أنه أقرض ملكاً مالاً ، أو نكح ابنته ، أو استأجره لسياسة دوابه ، أو ما جرى هذا المجرى ، فهذا مردود . والذي ذكره لا تعويل عليه ، ولا يسوغ في الدين تشويش القواعد بأمثال هذه الوساوس ، ومثل هذا قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال : " لو أعطي الناس بدعاويهم ، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم . . . الحديث " . ووجه التعلق به أن الذي حاذره الرسول صلى الله عليه وسلم ثبوت الدعوى من غير صحة ، وأما رد الدعاوي لرعونات الأنفس ، فلا سبيل إليه ، ثم ما ذكره الإصطخري ردُّ دعوى بظن ، وإنما الذي كنا فيه تعيين المدعي والمدعى عليه ، وذلك يتعلق بأمارات تغلب على الظنون . فإن قيل : المودع إذا ادعى رد الوديعة ، فليس يدعي أمراً جلياً ، فلِمَ جعلتم القول قوله ، وأحللتموه محل المدعى عليه مذهباً واحداً . قلنا : إذا ضبطنا المدعى علية بمن لو سكت ، لم يترك ، لم ينخرم الضبط بمسألة المودَع . وإن قلنا : المدعي من يدعي أمراً خفياً ، فسبيل تخريج المودع على ذلك أن الإيداع ائتمان ، وحكم الأمانة ثابت شرعاً للمودَع ولا معترض على الشرع ، فإذا أنكر المودع الردَّ ، فكأنه يُضمِّنه ، والأصل أن الأمانة الثابتة لا تزول ، وهذا ظاهر الرد ، وهو في دعوى التلف أظهر ؛ فإن دعوى التلف مسموعة من الغاصب في الرأي الأظهر ، وإذا ثبت التلف وحكم الوديعة الائتمان ، فلا ضمان .
هامش
( 1 ) السُّفَّل : جمع سافل ( المعجم ) .