تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
وإن لم يظن به إلا الخير ، فقد قال الأصحاب : إن عزله بمن هو فوقه ، نفذ العزل ، وإن عزله بمن هو دونه في الصلاح للأمر ، لم ينفذ العزل في ظاهر المذهب ، وإن عزله بمن هو في مستواه ، فعلى وجهين ، هكذا رتبه القاضي . وإطلاق هذا الكلام على هذا النسق غفلة عما يُرعى في هذا الباب . فنقول أولاً : حقٌّ على الإمام ألا يُصدر شيئاً من أمور المسلمين إلا عن رأي ثاقب ، ونظر في المصالح ، وتأكُّدُ هذا المعنى على قدر الخطر فيما يأتي ويذر ، فينبغي أن يوفي كلَّ شيء حظَّه من النظر ، وهذا يطَّرد في العزل والتولية ، فإن عزل شخصاً [ بمن ] ( 1 ) هو دونه لمصلحةٍ ، وهي أن يرى الأصلح أولى لشغلٍ أهمَّ مما هو فيه ، فهذا ينفذ ، ويجب القطع به ، ولا يسوغ تقدير خلافٍ فيه . وإن فُرض منه عزلٌ مطلق ، فلا اعتراض عليه ، إذا كان يتطرق إليه إمكان النظر ، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف . وإن رددنا الكلام إليه في نفسه ، وقلنا : يصدر عزلُه والياً عن نظرٍ ، فهل ينفذ ذلك ؟ فهذا مما تردد فيه بعض الناس المنتمين إلى الأصول . والذي أقطع به أنه ينفذ . ولكن يتعرض صاحب الأمر بترك الأصلح لخطر المأثم ، ولو لم نقل هذا ، لرددنا حكم من ولاّه ثانياً ، وهذا يجر خبلاً عظيماً ، ولست ألتزم الخوض فيه ؛ فإنه من غمرات أحكام الإمامة . ولو عزل القاضي نفسه ، انعزل ، وهذا يتعلق أيضاً بطرفٍ عظيم من الإمامة ، وخلعِ الإمام نفسَه ، فلا نتعرض له ، ونكتفي بالقدر الذي ذكرناه . 12022 - فأما القول فيما ينعزل به القاضي ، فأجمعُ كلامٍ فيه أن نقول : كل طارىء عليه يمنع من ابتداء التولية فإنه يوجب انقطاع التصرف بالولاية ، كنسيانٍ يطرأ ، ويُخل بالاجتهاد ، أو الجنون ، وهذا لو فرض في الإمام لم نخض فيه أيضاً ، وفي فسق الإمام كلام مُخْطِر . فأما فسق القاضي ، فيوجب صرفَه ، وهل ينعزل بنفسه ؟ قطع فقهاؤنا المعتبرون بانعزاله من غير حاجة إلى إنشاء عزل ، وقال بعض الأصوليين من علمائنا : لا ينعزل ، بل يُعزل ، وينفذ من أحكامه ما يوافق الشرع .
هامش
( 1 ) في الأصل : " ممن " .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 586 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب