تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
ومما بناه على ذلك قوله : لا ينعقد اليمين الغموس ، لأن شأن اليمين أن تؤثر ، وما انقضى لا يقبل التأثير ، فلا تنعقد اليمين عليه ، وقال بناء على ذلك : إذا قال : حرّمت هذا الطعام ، التزم الكفارة ، كما لو قال : والله لا آكل هذا الطعام ؛ فإن مقتضى اللفظين التحريم ، وحَكَم بأن من قال : إن دخلت الدار ، فأنا يهودي فهو كما لو حزم دخول الدار على نفسه ، وزعم أن يمين الكافر لا تنعقد ، لأنه لا يخاطب بالتحريم الشرعي . وعندنا اليمين لا يحرِّم ما ليس محرّماً ، ولا يحلل محرماً ، ثم إذا حلف لا يفعل طاعةً ، فعلها ، ولا يخفى موجَب الحنث ، والندب لا يزول بسبب يمينه . 11728 - ولو عقد يمينه على مباح ، فكيف السبيل فيه ؟ حاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه : أحدها - أن الأَوْلى ألا يُقدّم على ذلك المباح ؛ فإن اليمين على حالٍ محترمة ، فتحقيقها ، وتصديقها والمحلوف عليه مباح أقرب إلى التعظيم ، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يرشد إلى ذلك ؛ فإنه قال : " أما إني لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير " ( 1 ) فخصص صلى الله عليه وسلم حلّ اليمين بما لو كان حَلُّها خيراً وطاعة ، مثل أن يحلف لا يتصدق ، فدل مفهوم الحديث على أن الحَلَّ إذا لم يكن طاعة ، فلا ينبغي أن يختاره ويؤثره الحالف ( 2 ) . وقال العراقيون : ينبغي أن يحنث نفسه وهو محثوث على ذلك ، ليتبين أنه بيمينه لم يغير حكمَ الله تعالى ، وقد يشهد لهذا صدر سورة التحريم قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ } [ التحريم : 1 ] ، ثم استحثه على الحل ، فقال تعالى : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } [ التحريم : 2 ] ، وهذان الوجهان متناقضان الأول لصاحب التقريب ، وهو اختيار الصيدلاني ، والثاني للعراقيين قطعوا به ، وهو اختيار شيخي . وذهب ( 3 ) ذاهبون إلى أنا لا نحث على الحَل ، ولا ننهى عنه ، ونرى المباحَ مباحاً كما كان ، وقد أشار القاضي إلى هذا ، فقال : المباح بعد اليمين مباح ، ولو كرهنا
هامش
( 1 ) ه‍ 4 : " بما إذا كان كلها خيراً وطاعة " . ( 2 ) هذا هو الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة . ( 3 ) هذا هو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة .