تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
على الخوف ؛ فإن انقطعت هذه الأسباب في دوام الأكل ، فلا يجوز أن يكون في تحريم التّمادي خلاف . 11647 - وقد يطرأ وراء ذلك كلِّه أمرٌ آخر ، وهو أن هذه الأسباب لو انقطعت ، وكان الرجل في مهمهٍ لا يملك بما أكله قدميه ، ولا يستقل في جَوْب البرّية ، وهذا يجر خوفاً آخر ؛ فإذا كان يخاف من البقاء في البرّية الهلاكَ من وجه من الوجوه ، فليأخذ من الميتة ما يقوّيه على الخلاص من الهلاك ، ولا يجوز أن يكون في ذلك خلاف ، ولا يجوز أن يكون في هذا فرق بين الابتداء والدوام . ولو لم يكن عليه في المقام خوف من جهة ، ولكن علم أنه لو اقتصر على ما يزيل الخوف ، لما استقل ، وسيعود إلى الخوف ، ثم يأكل على الحد الأول ، ثم يعود كذلك ، حتى يستنفد الميتة ، ثم يضيع ، ويهلك ، فهذا يُحوج إلى مزيد تفصيل : فإن كان الحاضر من الميتة بحيث يزيل خوفه مرتين ، ولا يقيم أودَه ، ولا يُقلّه ، ولو تعاطى جميعه ، لاستقلّ ومضى ، فلا يجوز أن يكون في هذه الصورة خلاف أيضاً ، والوجه أن يستوعب ويستقلّ وينهض . وإن كان الحاضر من الميتة بحيث يكفي لسد الرمق مراراً ، ويفضل في الكرة الأخيرة ما يفيد الإقلال والاستقلال ، وكان يخطر له معونة - على بعد - وطروق طارق لو اقتصر على سد الرمق ، وكان الظاهر أن يحتاج إلى عودات إلى الاستيعاب ، فهل يأخذ في أول الأمر أكلةً يستقل بها ويمضي ، أم يقتصر على سد الرمق حتى ينتهي إلى مقدار أكلة مقلّة ؟ هذا موضع التردد : يجوز أن يقال : يأخذ أكلة ويستقل ، ولا يبني على توقع طارق على بعد ، ويجوز أن يقال : يقتصر على سد الرمق ، فعساه يتخلص ، ثم إذا لم يبق إلا أكلة مقلة ، فيجب القطع بأنه يتمادى فيها ؛ فإنه لو قطعها ، لفاته الاستقلال ، فهذا منتهى البيان في ذلك . ولست أدري على ماذا تحمل الأقوال المطلقة المحكية عن الأصحاب ، ولا يجوز أن يكون الأمر على خلاف ما رتبناه ، ونزّلناه ، وما نصَّ الشافعي على قولين ، ولا على أقوال مجموعة ، ولكن نظر الناظرون في تردُّدٍ صادفوه في كلامه ، فحسبوه ترديد قول ، وإنما هو ترديد حال .