تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وإذا لم يكن من هذا بد ، فلا يكون المضطر مشرفاً على الموت ، بل يكون مشرفاً على الإشراف على الموت لو لم يأكل ، فهذا بيانٌ كامل في الضرورة ومعناها . ثم الذي ذهب إليه المحققون أن الضرورة إذا تحققت ، وجب أكل الميتة ، وما ذكرناه من الاستحلال جريانٌ منا على ما يتداوله الفقهاء فيما بينهم ومن [ دأبهم ] ( 1 ) إذا ذكروا ما يحرم ، ثم طرأت حالة تناقض التحريم ، عبروا عن نفي التحريم بالحل ، وإلا فالواجب لا يوصف بالحل . وذكر العراقيون ما ذكرناه ، واختاروه ، ثم ذكروا وجهاً غريباً أنه يجوز للمضطر أن يمتنع عن أكل الميتة ، ويستسلم للمهلكة ، وزعموا أن هذا يُخرَّج على أحد القولين في جواز الاستسلام . وهذا بعيد جدّاً ، ووجهه على بعده أن المضطر قد يتردد في درك حد الضرورة ، فلا يأمن أنه لم ينته إليها ، ولا يزال كذلك حتى يموت ، أو يقع في حالة لا ينجع معها أكلُ الميتة ، ولو اتفق ذلك لا يحل أكل الميتة ؛ فإنه غير ناجع ، وأكل الميتة إنما يحل لدفع الضرورة ، فيكون تردد صاحب الضرورة في أمره كتردد من صال عليه إنسان في القدر الذي يدفعه به ، مع حكم الشارع بوجوب الاقتصار على قدر الحاجة في الدفع . 11641 - ثم يتنشأ من هذا المنتهى أمر تناهينا في تقريره في كتاب الأشربة ، وهو الكلام في التداوي بالنجاسات ، ووجه ربطها بهذا المنتهى أن الضرورة إذا وقعت وغمض ( 2 ) مُدرك اندفاعها بتعاطي النجاسة ، فهل يحل تعاطيها ، أم كيف السّبيل فيها ؟ فقد تقرّر هذا على أحسن وجه ، والخمر حيث تستيقن [ لدفاع ] ( 3 ) الضرر كالميتة ، فإن من غُصّ بلقمةٍ ، ولم يكن معه ما يُسيغها ، فوجد جرعة من خمرٍ ؛ فإنه يتعاطاها . والوجه البعيد الذي حكيته عن العراقيين في أن تعاطي الميتة لا يجب ، لا يخرج هاهنا عندي ؛ فإني وجهت ذلك الوجه بالتردد في دفع الضرر ، وإساغة اللقمة معلومة وإن
هامش
( 1 ) في الأصل : " ومن دوابهم " . ( 2 ) ه‍ 4 : " وعسر " . ( 3 ) في الأصل : " اندفاع " .