ثم دلَّ مضمون الأخبار على أنَ الشاة تُعَضَّى ( 1 ) ، ولا تكسر عظام الأعضاء ، بل تفصل من مفاصلها ، وهذا كالفأل بسلامة أعضاء الصبي .
ثم يتعين القطع بإجراء العقيقة مجرى الضحية في الأكل من اللحم ، والتصدق ، وامتناع البيع والاستبدال ، واشتراط السلامة المؤثرة في إجزاء الضحية ، فلا فرق إلا أنَّ الضحية تتأقت بالأيام الأربعة ، والعقيقة يدخل وقتها بولادة المولود ، وهذا في التعلق بالسبب بمثابة دماء الجبرانات المتعلقة بأسبابها الموجبة ، ثم دماء الجبرانات كالضحايا في اشتراط سلامتها من العيوب المؤثِّرة في الضحايا ، إلا في جزاء الصّيد ، فإنا نقابل المعيبة من الصّيود بالمعيبة ؛ فإن مبناها على اعتبار المماثلة في الصورة .
ونعود إلى العقيقة قائلين : إذا أوجبنا التصدّق بمقدارٍ ، فيجب إجراء التمليك فيه ، وتنزيل الصدقة على اللحم النيَّيء ، وأطلق الصيدلاني في مجموعه أنَّ الشاة تعضَّى كما ذكرنا ، وتطبخ ، ويفرق اللحم طبيخاً مع المرق ، وهذا سديد إذا لم نُوجب التصدق ، وهو مستقيم فيما لا نوجب التصدّق به .
فأما المقدار الذي يجب التصدّق به ، فلا وجه فيه إلا ما ذكرته .
ومما أجراه أن تفرقة اللحم أولى من دعاء الناس إليه . هذا مقصود الباب .
ثم روى الشافعي حديث أمّ كُرز ، وتكلم عليه ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن لحوم الأضاحي فسمعته يقول : " عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ، لا يضركم ذكراناً كُنَّ أو إناثاً " وسمعته يقول : " أقروا الطير على مَكِناتها " ( 2 ) .
وفي الحديث ما يدل أنها ما افتتحت سؤالها ، فإنها لو سألت عن لحوم الأضاحي لما كان تفسير العقيقة جواباً لها ولكن جاءت لذلك ، ثم سمعت ما سمعت ، فلم تبُح بسؤالها وقوله عليه السلام : " أقروا الطير على مَكِناتها " مما اختلف العلماء في تفسيره
هامش
( 1 ) تعضَّى : تقول : عضَّيت الذبيحةَ بالتشديد إذا جعلتها أعضاءً ( مصباح ) .
( 2 ) ر . المختصر : 5 / 214 .
ومكناتها بفتح الميم وكسر الكاف . المعنى على بيضها . والمكنات في الأصل : بيض الضباب ثم استعيرت للطير . وقيل : المكنات الأمكنة . ( النهاية في غريب الحديث : مادة : م . ك . ن ) .