اضطراباً في نفوس فقهاء المذهب ، حتى حكى بعض الأصحاب خلافاً في البخراء ( 1 ) إذا تفاحش بخرها . والعِذْيَوْط ( 2 ) ، وكذلك الصنَّاء وهي التي بها صنان مفرط لا يقبل العلاج ، وكنا نعد هذا الخلاف بعيداً ، ثم لم ننقله إلا مخصوصاً بما ذكرناه .
ورأيت القاضي استجرأ على فتح الباب ، وخرم التخصيص ؛ فإنه قال : كل عيب يؤثر في حق عامة الناس في المنع عن الاستمتاع والوقاع عيافة ونَفَراً ( 3 ) ؛ فإنه يثبت الخيار ، وقد يتوقف حصول هذا المعنى على اجتماع عيوب ، وإن كان لا يؤثر آحادها ، فإذا اجتمعت فيثبت الخيار عند اجتماعها .
وهذا الذي ذكره قياس لما مهدناه في البرص والجذام ، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب على هذا الوجه غير القاضي ، وكنا نحكي ما ذكرناه في البخر وغيره عن زاهر السرخسي ( 4 ) ، والساعة اتسع الخرق على الراقع فيما ذكره القاضي ، والعلم عند الله تعالى .
وعلى الإنسان أدنى نظر في الجنون ؛ فإن الأصحاب أطلقوا كونه مثبتاً للخيار ، ولم يراجعوا فيه أهل البصائر ، حتى إذا قالوا : إنه مرجوّ الزوال ، فلا يثبت الخيار ، وإذا قضَوْا بأنه مستحكم يبعد توقع الزوال فيه ، فيثبت الخيار إذ ذاك ، وهذا لو قيل
هامش
( 1 ) البخراء : من بخر الفم بخراً . أنتنت ريحه ، وهو أبخر ، وهي بخراء ( المعجم ) .
( 2 ) العِذْيَوْط بكسر العين وسكون الذال وفتح الياء : وزان فِعْيَول : الذي يحدث عند الجماع رجلاً أو امرأة ، وهي عذيوطة . ( المصباح ) .
( 3 ) نفر من الشيء : فزع وانقبض غير راضٍ به . ينفر نفوراً ونفاراً . وإمام الحرمين هنا استعمل المصدر بوزن ( فَعَل ) بدلاً من فعول ، كما يستعمل صَدَر بدلاً من صدور . فهذه إحدى لازماته اللغوية .
( 4 ) زاهر السرخسي : زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى أبو علي السرخسي ، الفقيه المقرئ ، أحد الأئمة ، تفقه على أبي إسحاق المروزي ، وسمع أبا لبيد محمد بن إدريس السامي ، وأبا القاسم البغوي ، ومؤمَّل بن الحسن الماسَرْجسي ، وغيرهم ، وروى عنه أبو عثمان الصابوني ، وكريمةُ الكُشْمِيْهَنِيَّة ، وخلقٌ . وأخذ الكَلام عن الشيخ أبي الحسن الأشعري . قال عنه الحاكم : فقيه محدّث ، شيخ عصره بخراسان توفي سنة 389 . ( ر . طبقات الشافعية : 3 / 293 ، 294 ، والبداية والنهاية : 11 / 326 ، وتهذيب الأسماء واللغات : 1 / 192 ، وشذرات الذهب : 3 / 131 ، وطبقات العبادي : 86 ) .