وقد اختلف أرباب الأصول فيه ، فذهب قدوتنا ( 1 ) في الأصول إلى أنها لو ألحّت كذلك أجيبت ، وأقصى ما يتمكن منه السلطان أن [ يستمهلها ] ( 2 ) ، فإن أبت أجابها .
وذكر القاضي أبو بكر أن القاضي لا يجيبها إن رأى ذلك رأياً ، ويقول : لا [ يجب ] ( 3 ) عليّ إجابتك ما لم [ أحتط ] ( 4 ) .
وهذا لا يتضح بهذا المقدار ، ولعلنا نجمع كلاماً شافياً في أحكام الأئمّة والولاة ، إن شاء الله عز وجل .
هامش
( 1 ) وقفت طويلاً لأعرف من الذي يُعنَى بقوله : " قدوتنا في الأصول " وذهبت بادي الرأي إلى أنه الباقلاني ، ولكن ردّني قولُه الآتي : " وذكر القاضي أبو بكر " فهذه هي عبارته عن الباقلاني .
فتوقفتُ إلى أن هداني الله إلى هذه المسألة منسوبة إلى إمام أهل السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري ، فهو الذي عناه إمام الحرمين بقوله : " قدوتنا في الأصول " . فقد عرض التاج السبكي هذه المسألة في ثنايا ترجمة الأشعري تحت عنوان : ومن المسائل الفقهية عنه ، فقال ما نصه : " قال الإمام إمام الحرمين في " باب اجتماع الولاة " من " النهاية " في المرأة تدّعي غيبة وليها ، وتطلب من السلطان أن يزوجها وتلح في ذلك :
اختلف أرباب الأصول في ذلك ، فذهب قدوتنا في الأصول إلى أنها تجاب ، وأقصى ما يمكن السلطان أن يستمهلها ، فإن أبت أجابها .
وذهب القاضي أبو بكر بن الباقلاني إلى أن القاضي لا يجيبها إن رأى التأخير رأياً ، ويقول : لا تجب عليَّ إجابتك ما لم أحتط " ا . ه - .
هكذا أورد التاج السبكي المسألة ، فأفادنا بأن المقصود " بقدوتنا في الأصول " هو شيخ أهل السنة الأشعري ، وأن القاضي أبا بكر هو الباقلاني .
ثم استدرك السبكي على الإمام الرافعي ، فقال : " وقد نقل الرافعي المسألة عن الإمام ، وقال : فيها وجهان رواهما الإمام عن أهل الأصول . وأنت ترى عبارة الإمام ، لم يفصح بذكر وجهين ، وإنما حكى اختلاف الأصوليين ، وأراد بقدوتنا في الأصول ( الأشعري ) .
ثم حكى التاج السبكي عن والده الشيخ تقي الدين ما ينبغي أن يقال تصويباً وتصحيحاً لكلام الرافعي فقال : " قال الشيخ الوالد رحمه الله : الذي ينبغي أن يقال : إن اجتهاد القاضي إن أداه إلى أن مصلحة المرأة تفوت بالتأخير ، وجبت المبادرة ، أو أن المصلحةَ التأخيرُ ، تعيّن ، وإن أشكل الحال أو استوى أو كان في مهلة النظر ، فهذا موضع التردد ، وينبغي ألا يبادر " ( ر . طبقات السبكي : 3 / 359 ، والشرح الكبير : 7 / 562 ) .
( 2 ) في الأصل يستميلها .
( 3 ) في الأصل : ويقول : لا أجب .
( 4 ) في الأصل : أحفظ .