تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
5796 - فأما عمارة الوقف إذا كان الموقوف عقاراً ، وكان الوقف مطلقاً ، وريْعه لا يفي بالعمارة التي لا بدّ منها في إقامة الوقف وإدامته ، فلا خلاف أنها لا تجب على أحدٍ : لا على الموقوف عليه إذا نسبنا الملك إليه ، ولا في مال الله تعالى على قول إضافة الملك لله تعالى ، ولا على الواقف ، على قولنا : إن الملك له . والسبب فيه أن عمارة الأوقاف يُنحى بها نحو عمارة الأملاك ، ولا يجب على المالك أن يعمر ملكه . وقد ذكرنا في كتاب الإجارة وجهاً أن المكري يلزمه عمارةُ الدار المكراة ، ليتوفر المنافع منها على المكتري ، وهذا سببه عهدةُ العقد ، والتزامُ المكري توفية المنافع ، وتوفيرها على مقابلة استحقاق العوض ، وهذا المعنى لا يتحقق في حق الواقف . فصل في خراب الوقف وما يلحقه من التغايير 5797 - فإذا وقف الرجل شجرةً لتصرف ثمرتُها إلى شخص ، وبعده إلى جهة ، فلو يبست الشجرةُ ، وصارت حطباً ، فقد اختلف أصحابنا : فمنهم من قال : يبطل الوقف في ذلك ، وينقلب الحطب ملكاً للواقف ؛ فإن الوقف المضافَ إلى الشجرة إنما يتعلق بالشجرة ما دامت ناضرة ؛ فإن اسم الشجرة في التحقيق ينطلق عليها ما دامت كذلك ، فإن سمى مسمٍّ حطبها شجرة ، كان ذلك على مذهب الاستصحاب ، فجفاف الشجرة إذاً ، كهلاك العبد الموقوف ، غير أنه إذا هلك ، لم يفرض ردُّ جثته إلى ملكٍ ؛ من جهة أنها ليست مالاً ، والحطب مال . 5798 - ومن أصحابنا من قال : لا نحكم بارتداد الحطب إلى ملك الواقف ، ولا نقضي بانقطاع أثر الوقف . ثم هؤلاء اختلفوا على وجهين : فذهب بعضهم إلى أن الشجرة تستعمل في جهة إمكان الانتفاع بها ، ويقدر كأن الواقف وقف جذعاً على إنسان ، فإذا أمكن الانتفاع به ، بإجارته وأخد أجرته واستعمال الموقوف عليه إياه في جهةٍ ينتفع به فيها ، فهو الواجب .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 394 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب