إن اتسعت المقاعد واستوت الأغراض في أعيانها ، وتخيّر كلٌّ مجلساً ينتابه ، ويأوي إليه ، فلا معنى لتنحيته والتبادلِ ( 1 ) ، والحالةُ هذه ؛ فإن ذلك يُبطل أغراضَ الكافَّة . وإن ضاقت المجالس ، وكثر المزدحمون ، فيظهر إذْ ذاك الخلافُ بعضَ الظهور ، ثم وجه التقريب فيه أَنَّ من طال انتيابُه بقعةً ، وظهر انتفاعه بسبب جلوسه فيه ، وهو مطلوبٌ من غيره في الصورة التي ذكرناها ، فقد يقال : مبنى هذه البقاع على الاشتراك ، فإذا اكتسبْتَ بسبب الجلوس في بقعةٍ منها مالاً ، فسلِّمْها إلى غيرك ، وهذا يناظر ما ذكرناه في المعادن ، غيرَ أن نيْل المعدن العِدّ عتيدٌ يوجد ، والمنفعة المطلوبة من [ المقاعد ] ( 2 ) لا تظهر إلا على طول الزمان ، [ فالنُّوَبُ ] ( 3 ) في الأصلين تتفاوت طولاً وقصراً ، والمعنَى هو المتبع في كل صنف .
ثم لا نظر إلى اتساع المتاجر والمكاسب على أصحاب المقاعد ؛ فإن ذلك أرزاقٌ ، فمن محظوظٍ فيها ، ومن محروم ، ولكنّ الاعتبارَ بالزمان الذي يتسع في مثله المتجر والمكسب على المرزوق . وهذا تفصيلٌ لا بد منه .
5628 - وذهب بعضُ الأصحاب في ذكر الخلاف مذهباً آخر ، أشار إليه صاحب التقريب ، وغيرُه ، فزعموا : أن الغرض من تنحية من ينتاب مقعداً إذا طال الزمان أن يخرج عن مضاهاة المتملّكين ، فقد يدعي على طول المدى ملكَ البقعة .
وهذا ركيك ، لا أصل له ؛ فإن الشوارع ، وإن طال المدى عليها لا يَنسَى حُكمَها المحتفون بها ، ولو صح هذا المعنى ، لوجب سدُّ طريق لزوم المقاعد جملةً ، لما أشار إليه هذا القائل ، فلا أصل لهذا إذاً ، وإنما التَّدْوار على ما ذكرناه .
ثم قدمنا أن الأصل أن العاكف على المعدن العِد لا ينحَّى ، والوجه الآخر ضعيفٌ
جداً ، ثم وقع الخلاف في تنحية من تخيَّر ( 4 ) مقعداً أبعد ، فتضاعف الضعفُ . ثم إن أردْنا التشوفَ إلى ضبطٍ في الزمان الذي تقع التنحية بعده ، لم نجد إليه سبيلاً ، مع
هامش
( 1 ) أي تبادل المقاعد .
( 2 ) في الأصل : القاعد .
( 3 ) في الأصل : فالأمر .
( 4 ) ( د 1 ) ، ( ت 3 ) : في تنحية أصحاب المقاعد .