تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
جلس جالس أمامه أو بالقرب منه ، بحيث يتعذر عليه انبساطُه في الكيل والوزن والإعطاء والأخذ ، كان ذلك تزاحماً ممنوعاً ، فإنا إذا أثبتنا للسابق إلى المقعد حقّاً ، فقد التزمنا توفيرَه عليه ، وهذا يُثبت لمقعده حريماً ، والمحكَّمُ في مثله العادةُ . وذكر بعضُ من لم يُحط بحقيقة ذلك شيئاً أَشْعَرَ بذهوله ، فقال : لو جلس بجنبه من يمنع المساومين معه ، لم نتركه ( 1 ) ، وهذا ليس بشيءٍ ؛ فإنه جارٍ في الدكاكين المملوكة ، فلا تزيد المقاعد عليها ، وإنما المرعي ما نبهنا عليه من الانبساط ، مع الرجوع إلى العادة ، وقد يختلف بكثرة القاعدين ، وضيق المقاعد ؛ فإن أصحابها يتضامّون إذا كثروا ، ويتوسعون إذا قلّوا ، وموجب الشرع الحملُ على أحسن المراشد في العوائد . 5622 - ومن تخيّر بقعةً ، وجعلناه أولى بها ، فإنه يُزايلها ليلاً ، وهو أولى بها ، إذا كان ينتابها ، ولا يسوغ لسابقٍ أن يسبق إلى مجلسه لتخلّل قيامه ، وليس ذلك بمثابة المعادن الظاهرة ؛ فإنها لا تتعين لمنتابٍ ؛ إذْ مبناها على الاشتراك ، وليس فيها حق الاختصاص إلا على قدرٍ ذكرناه في السابق ، ومبنى المقاعد على الاختصاص . ثم المتبع فيه الاعتيادُ ، ومن يتخيّر مقعداً يبيع فيه ويشتري ، أو يحترف ، فغرضه الأظهر أن يظهر مكانُه ، حتى يعرفَه المعاملون ، وهو الركن الأعظم في المكاسب ، فإذا كان هذا هو المقصود في تعيين المقاعد ، فلا بد من الوفاء به . 5623 - وأنا أقول : لو جلس الجالس في بقعةٍ ، ولم يضيِّق على الطارقين ، لم يُزعَج ، وإذا لم يكن له غرضٌ كما نصصنا عليه ، فليس له حقُّ العوْد إلى ذلك المكان ، حتى يقالَ لو سبق إليه سابق ، لم يكن له ذلك ؛ إذ لا غرض للجالس فيه ؛ حتى يقالَ : يتعطل غرضه بتفويت مجلسه . 5624 - ثم إذا عيَّنا المقعد لذي الغرض الصحيح ، فلو استأخر يوماً ويومين ، لم ينقطع حقه عن المقعد ، سواء كان معذوراً أو غير معذور ، وإن طال الزمان وتمادى
هامش
( 1 ) المعنى لو جلس بجواره من ينافسه في بضاعته نفسها ، فيجذب المساومين والمبتاعين ويمنعهم بجلوسه عن الشراء منه ، لم نتركه . ووجه الذهول والخلل في هذا الكلام ، أن هذا التنافس بين المتجاورين موجودٌ في الدكاكين المملوكة ، والاختصاص بالمقاعد لا يمكن أن يزيد على الدكاكين المملوكة .
نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 311 | عبد الملك الجويني / عبد العظيم محمود الدّيب