تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
الماء ، فالماء مستعمل ، لا شك فيه ، ولا نقول : لو توضّأ ، لكفاه مقدارٌ يسير ، ولو صُبّ مثله على هذا الماء ، لما صار مستعملاً ، فإنه إذا انغمس في الماء ، فقد اتصل به جميع الماء ، ولم يختصّ الاتصال اسماً وإطلاقاً بما يلاقي بشرته . 309 - ثم إذا انغمس وانفصل ، فهل يرتفع الحدثُ ؟ فعلى وجهين : أحدهما - لا يرتفع ؛ لأن الماء صار مستعملاً بملاقاة أول جزء إياه ، فيحصل الانغماس في ماءٍ مستعمل . وهذا وإن كان مشهوراً ، فهو غلط عندي ؛ فإن الماء إنما يثبت له حكم الاستعمال ، إذا انفصل المنغمس فيه عنه ، كما أن الماء المصبوب على البدن لا يثبت له حكم الاستعمال ، ما لم ينفصل عن البدن . 310 - ولو غمس المتوضىء يده في الماء بعد غسل الوجه ، فقد دخل وقتُ أداء فرض اليد ، فإن قصد غسلَ يده ، فيصير الماءُ القليلُ مستعملاً ، وهل يرتفع الحدث عن اليد المغموسة ؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين ، وإن قصد بوضع اليد في الإناء رفعَ الماء ، لم يصر مستعملاً . وإن وضع اليدَ ، ولم يخطر له أداءُ الفرض ، ولا رفعُ الماء وتنحيتهُ ، فهذا يعسر تصويره عندي ؛ فإن من ينقل الماء من الإناء . فقصدُه التنحيةُ لا غسلُ اليد في الماء الذي في الإناء . فإن تُصور سقوط القصدين جميعاً ، فهو كما لو قصد غسلَ اليد ؛ فإن من نوى وعَزَبت نيتُه ، ثم غسل بقية أعضائه من غير قصدٍ ، فيرتفع الحدث عن أعضائه . كذلك هذا . 311 - ومن تمام البيان في هذا : أن من صب الماء على رأسه في الغُسل ، فتقاذف من الرأس إلى البطن ، وخرق الهواءَ إليه ، فقد ذكر بعضُ المصنفين أن الماء يصير مستعملاً ؛ فإنه انفصل واتصل بالهواء ، وخرج في ذلك الوقت عن التردّد على البدن . وهذا فيه فضل نظر ؛ فالماء إذا كان يتردّد على البدن ، ففي الأعضاء تفاوتٌ في الخِلْقة ، وليس البدن سطحاً بسيطاً . وإذا كان كذلك ، فيقع في جريان الماء بعضُ التقاذف من عضوٍ إلى عضوٍ ، لا محالة . ولا يتأتى التحرز من هذا . كيف ؟ ولم يَرد الشرعُ بالاعتناء بهذا أصلاً . فما كان من هذا الجنس ، فهو محطوط ، لا اعتبار به قطعاً .