تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المطلب في دراية المذهب — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
النجاسات مجرى نجاسة البلوى ، وأنهم كانوا يروْن الاقتصار مختصّاً بهذه النجاسة المخصوصة . ثم ثارت مذاهبُ متناقضةٌ ، فيما نَبّهنا عليه من الإشكال والخروج عن القواعد . أما أصحاب الظاهر ، فإنهم عينوا الأحجار ، ولم يقيموا غيرها ( 1 ) مقامها ، وليس ذلك بدعاً من مذهبهم [ في ] ( 2 ) اتباع موارد النصوص . وأما مالك ( 3 ) ، فإنه فَهِمَ التعبدَ بزالة عين النجاسة ، والعفو عن أثرها ، فأقام غيرَ الحجر مقامه ، ولم يوجب رعايةَ العدد ، وقال : إذا حصل الإنقاء بحجر أو حجرين ، كفى ، ولا يشتَرِط رعاية العدد . 132 - وأما الشافعي ، فإنه رأى العددَ مرعيّاً ، وقال : لو حصل الإنقاء بحجر واحدٍ ، تعيّن استعمالُ الثاني والثالث ، والإنقاء والعدد جميعاً مرعيان عنده . وهذا المذهب متردّدٌ بين التعبّد واعتبار المعنى ؛ فإنه من حيث أقام غيرَ الأحجار مقام الأحجار ، فقد قال : الغرضُ آلةٌ تُنقي ، ولا تنقل ، فهذا مصيرٌ منه إلى اعتبار الإنقاء ، ولما أوجب مراعاةَ العدد ، كان هذا خروجاً عن اعتبار الإنقاء . وإنما ذكرت مسالك العلماء تنبيهاً على محلّ الإشكال . ثم ما ذكره الشافعي هو المسلك المقتصد ، والمنهج الوسط ، ووجهه أنا فهمنا أن الغرض رفعُ عين النجاسة ، ومن أنكر هذا الأصل ، فهو جاحدٌ ؛ فليس استعمالُ الأحجار في الاستنجاء بمثابة رمي الجمار ؛ فإن الرميَ لا يعقل منه غرض ، ولا محمل له إلا التعبّدُ المحض ، والتزام الأمر ؛ فتعيّنت الأحجار فيها ، وأمّا الاستنجاء ، فالغرض منه معقول ، لا يُتمارى فيه ؛ فاقتضى ذلك إقامةَ غير الأحجار مقام الأحجار .
هامش
( 1 ) ساقطة من : ( د 3 ) . ( 2 ) في الأصل ، ( د 3 ) ، ( م ) : من . ( 3 ) ر . الإشراف : 1 / 140 مسألة 67 ، حاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد القيرواني : 1 / 151 ، 155 ، جواهر الإِكليل : 1 / 19 .