فأصمها الله وأبكمها . وقال : يقول الله عز وجل : لولا أني كتبت النتن على الميت لحبسه الناس في
بيوتهم ، ولولا أني كتبت الفساد على اللحم لحرمه الأغنياء على الفقراء .
وقال : مر عابد براهب فقال له : منذ كم أنت في هذه الصومعة ؟ قال : منذ ستين سنة ،
قال : وكيف صبرت فيها ستين سنة ؟ قال : مر فإن الزمان يمر ، وإن الدنيا تمر ، ثم قال له :
يا راهب كيف ذكرك للموت ؟ قال : ما أحسب عبدا يعرف الله تأتي عليه ساعة إلا يذكر الموت فيها ، وما أرفع
قدما إلا وأنا أظن أن لا أضعها حتى أموت ، وما أضع قدما إلا وأنا أظن أن لا أرفعها حتى
أموت ، فجعل العابد يبكي ، فقال له الراهب : هذا بكاؤك إذا خلوت ؟ - أو قال : كيف أنت إذا
خلوت ؟ - فقال العابد : إني لأبكي عند إفطاري فأشرب شرابي بدموعي ، ويصرعني النوم فأبل
متاعي بدموعي ، فقال له الراهب : إنك إن تضحك وأنت معترف بذنبك خير لك من أن تبكي
وأنت مدل على الله بعلمك . فقال : أوصني بوصية ، قال : كن في الدنيا بمنزلة النخلة ، إن أكلت
أكلت طيبا ، وإن وضعت وضعت طيبا ، وإن سقطت على شئ لم تضره ، ولا تكن في الدنيا بمنزلة
الحمار إنما همته أن يشبع ثم يرمي بنفسه في التراب ، وانصح لله نصح الكلب لأهله ، فإنهم يجيعونه
ويطردونه ، وهو يأبى إلا أن يحرسهم ويحفظهم . قال أبو عبد الرحمن أشرس : وكان طاوس إذا ذكر
هذا الحديث بكى وقال : عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا عز وجل . وقد تقدم
نحو هذا المتن .
وقال وهب : تخلى راهب في صومعته في زمن المسيح : فأراد إبليس أن يكيده فلم يقدر عليه ،
فأتاه بكل مراد فلم يقدر عليه ، فأتاه متشبها بالمسيح فناداه : أيها الراهب أشرف علي أكلمك فأنا
المسيح ، فقال : إن كنت المسيح فما لي إليك من حاجة ، أليس قد أمرتنا بالعبادة ؟ ووعدتنا القيامة ؟
انطلق لشأنك فلا حاجة لي فيك . قال : فذهب عنه الشيطان خاسئا وهو حسير ، فلم يعد إليه .
ومن طريق أخرى عنه قال : أتى إبليس راهبا في صومعته فاستفتح عليه ، فقال له : من أنت ؟ قال :
أنا المسيح ، فقال الراهب : والله لئن كنت إبليس لأخلون بك ، ولئن كنت المسيح فما عسى أن أصنع
بك اليوم شيئا ، لقد بلغتنا رسالة ربك عز وجل فقبلناها عنك ، وشرعت لنا الدين فنحن عليه ،
فاذهب فلست بفاتح لك فقال : صدقت ، أنا إبليس ولا أريد إضلالك بعد اليوم أبدا فسلني عما بدا
لك أخبرك به . قال : وأنت صادق ؟ قال لا تسألني عن شئ إلا صدقتك فيه . قال : فأخبرني أي
أخلاق بني آدم أوثق في أنفسكم أن تضلوهم به ؟ قالا ثلاثة أشياء : الجدة ، والشح ، والشكر .
وقال وهب : قال موسى : يا رب أي عبادك ؟ قال : من لا تنفعه موعظة ، ولا يذكرني إذا
خلا ، قال : إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه ؟ قال : يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي ،
وأجعله في كنفي . وقال وهب : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له : رحمك الله ما هذا البناء
الذي لا إسراف فيه ؟ قال : ما سترك من الشمس ، وأكنك من الغيث . قال : فما هذا الطعام الذي
البداية والنهاية — صفحة 315
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٥