لا إسراف فيه ؟ قال : فوق الجوع ودون الشبع من غير تكلف . قال : فما هذا اللباس الذي لا
إسراف فيه ؟ قال : هو ما ستر العورة ومنع الحر والبرد من غير تنوع ولا تلون . قال : فما هذا
الضحك الذي لا إسراف فيه ؟ قال : هو ما أسفر وجهك ولا يسمع صوتك . قال : فما هذا البكاء
الذي لا إسراف فيه ؟ قال : لا تمل من البكاء من خشية الله عز وجل ، ولا تبك على شئ من
الدنيا . قال : كم أخفي من عملي ؟ قال : ما أظن بك أنك لم تعمل حسنة . قال : ما أعلن من
عملي ؟ قال : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يأتم بك الحريص ، واحذر النظر إلى الناس .
وقال لكل شئ طرفان ووسط ، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر ، وإذا أمسكت بالوسط
اعتدلا ، فعليكم بالوسط من الأشياء . وقال : أربعة أحرف في التوراة : من لم يشاور يندم ، ومن
استغنى استأثر ، والفقر الموت الأحمر ، وكما تدين تدان ، ومن تجر فجر .
وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول : كان رجل من
أفضل أهل زمانه ، وكان يزار فيعظهم ، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال : إنا قد خرجنا عن الدنيا
وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان ، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان
أعظم وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم ، وعلى الملوك في ملكهم ، أرانا يحب أحدنا أن
تقضى له الحاجة ، وإذا اشترى شيئا أن يحابي لمكان دينه ، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه ،
وجعل يعدد آفات العلماء والعباد الذين يدخل عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظيم . قال :
فشاع ذلك الكلام عنه حتى بلغ ملك تلك البلاد ، فعجب منه الملك وقال لرؤوس دولته : ينبغي لهذا
أن يزار ، ثم اتعدوا لزيارته يوما ، فركب إليه الملك ليسلم عليه ، فأشرف العابد - وكان عالما جيد
العلم بآفات العلوم والأعمال ودسائس النفوس - فرأى الأرض التي تحت مكانه قد سدت بالخيل
والفرسان ، فقال ما هذا ؟ فقيل له : هذا الملك قاصد إليك يسلم عليك لما بلغه من حسن كلامك
فقال : إنا لله ، وما أصنع به ؟ هلكنا والله إن لم نلقن الحجة من عند الله مع هذا الرجل ، وينصرف
عنا وهو ماقت لنا ، ثم سأل خادمه : هل عندك طعام ؟ قال : نعم . قال : فأت به فضعه بين
أيدينا ، قال : هو شئ من ثمر الشجر ، وهو شئ من بقل وزيتون ، قال : فأت به ، فأتى به ، ثم
أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام ، فقال : إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم
إليه ، ولا يقم له أحد ، وأقبلوا على الاكل العنيف ، ولا يرفع أحد منكم رأسه ، لعل الله يصرفه عنا
وهو كاره لنا فإني أخاف الفتنة والشهرة وامتلاء القلب منهما ، فلا نخلص إلا بنار جهنم . قال :
فبكى القوم وبكى ذلك الرجل العالم ، فلما اقترب الملك من جبلهم الذي هم فيه ، ترجل الملك ومن
معه من أعيان دولته وصعد في الجبل ، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الاكل العنيف ، فدخل
عليهم الملك وهم يأكلون فلم يرفعوا رؤوسهم إليه ، وجعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع
الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز ويدخلها في فمه ، فسلم عليهم الملك وقال : أيكم العابد ؟
البداية والنهاية — صفحة 316
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٦