عن الطريق ولم تستقم ( 1 ) لسائقها ، وإن فتر سائقها حزنت ، ولم تتبع قائدها : فإذا اجتمعا استقامت
طوعا أو كرها ، ولا تستطيع الدين إلا بالطوع والكره ، وإن كان كلما كره الانسان شيئا من دينه
تركه ، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شئ . وقال وهب : إن من حكمة الله عز وجل أنه خلق
الخلق مختلفا خلقه ومقاديره ، فمنه خلق يدوم ما دامت الدنيا ، لا تنقصه الأيام ولا تهرمه وتبليه
ويموت ، ومنه خلق لا يطعم ولا يرزق ، ومنه خلق يطعم ويرزق ، خلقه الله وخلق معه رزقه ، ثم
خلق الله من ذلك خلقا في البر وخلقا في البحر ، ثم جعل رزق ما خلق في البحر وفي البر ، ولا ينفع
رزق دواب البر دواب البحر ، ولا رزق دواب البحر دأب البر ، لو خرج ما في البحر إلا البر هلك ،
ولو دخل ما في البر إلى البحر هلك ، ففي ذلك ممن خلق الله في البر والبحر عبرة لمن أهمته قسمة
الأرزاق والمعيشة فليعتبر ابن آدم فيما قسم الله من الأرزاق ، فإنه لا يكون فيها شئ إلا كما قسمه
سبحانه بين خلقه ، لا يستطيع أحد أن يغيرها ولا أن يخلطها ، كما لا تستطيع دواب البر أن تعيش
بأرزاق دواب البحر ، ولا دواب البحر بأرزاق دواب البر ، ولو اضطرت إليه هلكت كلها ، فإذا
استقرت كل دابة منها فيما رزقت أصلحها ذلك وأحياها ، وكذلك ابن آدم إذا استقر وقنع بما قسم الله
له من رزقه أحياه ذلك وأصلحه ، فإذا تعاطى رزق غيره نقصه ذلك وضره وفضحه .
وقال لعطاء الخراساني : كان العلماء قبلكم قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم ، فكانوا لا
يلتفتون إلى أهل الدنيا ، ولا إلى ما في أيديهم ، فكان أهل الدنيا يبذلون إليهم دنياهم رغبة في
علمهم ، فأصبح أهل العلم فينا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في الدنيا ، فأصبح أهل الدنيا
قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم ، فإياك يا عطاء وأبواب السلطان فإن عند
أبوابهم فتنا كمبارك الإبل ، لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك مثله .
وقال إبراهيم الجنيد : حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا
عمر بن عبد الرحمن الصنعاني قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم ،
فقال : كيف صلاتك ؟ فقال : ما أحسب أحدا سمع بذكر الجنة والنار يأتي عليه ساعة لا يصلي
فيها ، قال : فكيف ذكرك للموت ؟ قال : ما أرفع قدما ولا أضع أخرى إلا رأيت أني ميت . فقال :
فكيف صلاتك أنت أيها الرجل ؟ فقال : إني لأصلي وأبكي حتى ينبت العشب من دموعي ، فقال العالم :
أما أنك إن تضحك وأنت معترف بخطيئتك خير لك من أن تبكي وأنت مدل بعلمك ، فإن المدل لا
يرفع له عمل فقال : أوصني فإني أراك حكيما ، فقال أزهد في الدنيا ولا تنازع أهلها فيها ، وكن فيها
كالنخلة ، إن أكلت أكلت طيبا ، وإن وضعت وضعت طيبا ، وإن وقعت على عدو لم تكسره ،
وانصح لله نصح الكلب لأهله ، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويضربونه وهو يأبى إلا أن يحوطهم
ويحفظهم ، وينصح لهم . فكان وهب إذا ذكر هذا الحديث قال : وا سوأتاه إذا كان الكلب أنصح
هامش
( 1 ) كذا بالأصل وفيه تحريف ونقص ظاهر .