فأشاروا إليه ، فقال له الملك : كيف أنت أيها الرجل ؟ فقال له : كالناس - وهو يأكل ذلك الاكل
العنيف - فقال الملك : ليس عند هذا خير ، ثم أدبر الملك خارجا عنه ، وقال : ما عند هذا من
علم . فلما نزل الملك من الجبل نظر إليه العابد من كوة وقال : أيها الملك ! الحمد لله الذي صرفك
عني وأنت لي كاره - أو قال : الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به - وفي رواية ذكر ابن المبارك أنه
قال : الحمد لله الذي صرفه عني وهو لي لائم .
وفي رواية أن هذا العابد كان ملكا ، وكان قد زهد في الدنيا وتركها ، لأنه كان قد دخل عليه
رجل من بقايا أهل الجنة والعمل الصالح فوعظه ، فاتعد معه أن يصحبه ، وأنه يخرج عن الملك طلبا
لما عنده في الدار الآخرة ، وأنه وافقه جماعة من بنيه وأهله ورؤوس دولته ، فخرجوا برمتهم ، لا
يدري أحد أين ذهبوا ، وكان هذا الملك من أهل العدل والخير والخوف من الله عز وجل ، وكان
متسع الملك والمملكة ، كثير الأموال والرجال ، فساروا حتى أتوا جبلا في أطراف مملكته ، كثير
الشجر والمياه ، فأقاموا به حينا ، فقال الملك : إن نحن طال أمرنا ومقامنا في هذا الجبل ، سمع بنا
الناس من أهل مملكتنا فلا يدعونا ، وأني أرى أن نذهب إلى غير مملكتنا فننزل مكانا بعيدا عن الناس ،
لعل أن نسلم منهم ويسلموا منا ، فساروا من ذلك الجبل طالبين بلادا لا يعرفون ، فوجدوا بها جبلا
نائيا عن الناس ، كثير الأشجار والمياه ، قليل الطوارق ، وإذا في ذروته عين ماء جارية وأرض
متسعة ، تزرع لمن أراد الزرع بها ، فنزلوا به وبنوا به أماكن للعبادة والسكنى ، وزرعوا لهم على ماء
تلك العين بعض بقول يأتدمون بها ، وأشجار زيتون ، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون ثم شاع
أمرهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلهم ، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم ، إلى أن شاع ذلك
الكلام المتقدم عن ذلك العالم ، فبلغ ملك تلك البلاد فقصدهم للزيارة ، فذكر القصة كما تقدم ،
والله أعلم .
وقال وهب : أزهد الناس في الدنيا - وإن كان عليها حريصا - من لم يرض منها إلا بالكسب
الحلال الطيب ، مع حفظ الأمانات ، وأرغب الناس فيها وإن كان عنها معرضا ، من لم يبال من أين
كسبه منها حلالا أو حراما ، وإن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله عز وجل ، وإن رآه
الناس بخيلا فيما سوى ذلك ، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله عز وجل وإن رآه
الناس جوادا فيما سوى ذلك .
وقال الطبراني : حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا علي بن المديني حدثنا محمد بن عمرو بن مقسم
قال : سمعت عطاء بن مسلم يقول : سمعت وهب بن منبه يقول : إن الله تعالى كلم موسى
عليه السلام في ألف مقام ، وكان إذا كلمه رؤي النور على وجه موسى ثلاثة أيام ، ولم يمس موسى
امرأة منذ كلمه ربه عز وجل . وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا
عبد الله بن الأجلح عن محمد بن إسحاق قال : حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال : سمعت ابن
البداية والنهاية — صفحة 317
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٧