عِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ .
وَاعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ( 1 ) : أَنَّ أَهْلَ المِلَلِ كُلَّهُمْ ( 2 ) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُعَاقِبُ عَلَى المَعَاصِي .
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالحَقِيقَةِ وَالفَنَاءِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مُرَادٌ ؛ بَلْ يُرِيدُونَ مَا يُرِيدُ الحَقُّ - تَعَالَى - ، فَقَالُوا : إِنَّ الكَمَالَ أَنْ تَفْنَى عَنْ إِرَادَتِكَ وَتَبْقَى مَعَ إِرَادَةِ رَبِّكَ ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّبِّ سَوَاءٌ ، فَلَا يَسْتَحْسِنُونَ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُونَ سَيِّئَةً .
قَالَ : وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا ، مُحَرَّمٌ شَرْعًا ، وَلَيْسَتِ الطَّاعَاتُ عِنْدَهُمْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ ، وَلَا المَعَاصِي سَبَبًا لِلْعِقَابِ ، وَالعَارِفُ عِنْدَهُمْ مَنْ يَكُونُ مُشَاهِدًا سَبْقَ الحَقِّ بِحُكْمِهِ وَعِلْمِهِ ؛ أَيْ : يَشْهَدُ أَنَّهُ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَحَكَمَ بِهِ ؛ أَيْ : أَرَادَهُ وَقَضَاهُ وَكَتَبَهُ .
وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا المَذْهَبِ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الدُّنْيَوِيَّةَ ، وَيَجْعَلُونَ وُجُودَ السَّبَبِ كَعَدَمِهِ ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ ؛ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الأُخْرَوِيَّةَ ، فَيَقُولُونَ : إِنْ سَبَقَ العِلْمُ وَالحُكْمُ أَنَّا سُعَدَاءُ فَنَحْنُ سُعَدَاءُ ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّا أَشْقِيَاءُ فَنَحْنُ أَشْقِيَاءُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي العَمَلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ العَمَلَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَصْلِ الفَاسِدِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الأَصْلَ الفَاسِدَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
هامش
( 1 ) انْظُرْ « مِنْهَاجَ السُّنَّةِ » ( 5 / 360 ) .
( 2 ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّأْكِيدِ ، وَالرَّفْعِ عَلَى الابْتِدَاءِ .