وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ ( 1 ) : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ لَهُ : احْتَرِسْ ؛ فَإِنَّ نَاسًا يُرِيدُونَ قَتْلَكَ ، فَقَالَ : إِنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَرِ اللهِ ، وَإِنَّ الأَجَلَ حِصْنٌ حَصِينٌ ( 2 ) .
وَهَكَذَا مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ - تَعَالَى - وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ ؛ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخَرْوِيَّةِ ( 3 ) بِقَدَرِ التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ؛ فَهَذَا وِزَانُ ( 4 ) القَدَرِ المَخُوفِ ( 5 ) فِي الدُّنْيَا ، وَمَا يُضَادُّهُ سَوَاءٌ ، فَرَبُّ الدَّارَيْنِ وَاحِدٌ وَحِكْمَتُهُ وَاحِدَةٌ ، لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَلَا يُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مِنْ أَشْرَفِ المَسَائِلِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا وَرَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ؛ فَإِنَّ الأَعْمَالَ
هامش
( 1 ) بِكَسْرِ المِيمِ وَسُكُونِ الجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ ، وَهُوَ : لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ السَّدُوسِيُّ ، انْظُرْ « تَقْرِيبَ التَّهْذِيبِ » ( ص 586 ) .
( 2 ) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي « الطَّبَقَاتِ » ( 3 / 34 ) ، وَالطَّبَرِيُّ فِي « تَفْسِيرِهِ » ( 13 / 466 ) بِلَفْظِ : ( جُنَّةٌ حَصِينَةٌ ) بَدَلَ : ( حِصْنٌ حَصِينٌ ) .
( 3 ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ ، نِسْبَةً - هُنا - إِلَى ( الآخِرَةِ ) ، وَهِيَ مِنَ النِّسَبِ الشَّاذَّةِ الَّتِي أَخَذَتْ بِهَا العَرْبُ تَشْبِيهًا بِالدُّنْيَوِيِّ المَنْسُوبِ إِلَى الدُّنْيَا ، وَيَأْتِي هَذَا اللَّفْظُ - أَيْضًا - عَلَى القِيَاسِ ؛ نِسْبَةً إِلَى ( الأُخْرَى ) .
( 4 ) بِالكَسْرِ ؛ وَ ( وِزَانُ الشَّيْءِ ) : مَا يُعَادِلُهُ وَيُسَاوِيهِ وَيُقَابِلُهُ .
( 5 ) بِفَتْحِ المِيمِ وَضَمِّ الخَاءِ - هُنَا - ؛ أَيِ : مَا يُخَافُ مِنْهُ ؛ مِنْ ( خَافَ الشَّيْءَ ) فَهُوَ : مَخُوفٌ ؛ كَ ( مَحْذُورٍ ) ؛ أَيْ : مَا يُحْذَرُ مِنْهُ ؛ مِنْ ( حَذِرَ الشَّيْءَ ) ، أَمَّا ( المُخَوِّفُ ) - بِضَمِّ المِيمِ وَفَتْحِ الخَاءِ وَتَشْدِيدِ الوَاوِ المَكْسُورَةِ - فَمِنْ : ( خَوَّفَ النَّاسَ ) ؛ أَيْ : جَعَلَ النَّاسَ يَخَافُونَهُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ اللَّفْظِ الأَوَّلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْوِيفِ قَصْدٌ ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلَفْظِ القَدَرِ المَذْكُورِ فِي السِّيَاقِ .