لا ! قالوا : فما تقطع يده ؟ قال لا ، إنما أمر الله بالقود ، فقال جبلة : أترون أني جاعل وجهي ( 1 )
بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة ؟ بئس الدين هذا ، ثم ارتد نصرانيا وترحل بأهله حتى دخل
أرض الروم ، فبلغ ذلك عمر فشق عليه وقال لحسان : إن صديقك جبلة ارتد عن الاسلام ،
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم قال : ولم ؟ قال لطمه رجل من مزينة فقال : وحق له ، فقام
إليه عمر بالدرة فضربه . ورواه الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن
ابن عباس وساق ذلك بأسانيده إلى جماعة من الصحابة . وهذا القول هو أشهر الأقوال . وقد روى
ابن الكلبي وغيره : أن عمر لما بلغه إسلام جبلة فرح بإسلامه ، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة ،
وقيل بل استأذنه جبلة في القدوم عليه فأذن له فركب في خلق كثير من قومه ، قيل مائة وخمسين
راكبا ، وقيل خمسمائة ، وتلقته هدايا عمر ونزله قبل أن يصل إلى المدينة بمراحل ، وكان يوم دخوله
يوما مشهودا دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة ، ولبس تاجا على رأسه مرصعا باللآلي
والجواهر ، وفيه قرطا مارية جدته ، وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه ، فلما سلم على
عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه ، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة ، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ
وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل ، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل ، ومن الناس من
يقول : إنه قلع عينه ، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فزارة ، فاستحضره
عمر فاعترف جبلة ، فقال له عمر : أقدته منك . فقال : كيف وأنا ملك وهو سوقة ؟ فقال : إن
الاسلام جمعك وإياه فلست تفضله إلا بالتقوى ، فقال جبلة : قد كنت أظن أن أكون في الاسلام
أعز مني في الجاهلية ، فقال عمر : دع ذا عنك ، فإنك إن لم ترض الرجل أقدته منك ، فقال إذا
أتنصر ، فقال إن تنصرت ضربت عنقك ، فلما رأى الحد : قال سأنظر في أمري هذه الليلة ،
فانصرف من عند عمر ، فلما أدلهم الليل ركب في قومه ومن أطاعه فسار إلى الشام ثم دخل بلاد
الروم ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادا كثيرة ، وأجرى عليه
أرزاقا جزيلة ، وأهدى إليه هدايا جميلة ، وجعله من سماره ، فمكث عنده دهرا . ثم إن عمر
كتب كتابا إلى هرقل مع رجل يقال له جثامة بن مساحق الكناني ، فلما بلغ هرقل كتاب عمر بن
الخطاب قال له هرقل : هل لقيت ابن عمك جبلة ؟ قال : لا ! قال فالقه ، فذكر اجتماعه به وما
هو فيه من النعمة والسرور والحبور الدنيوي ، في لباسه وفرشه ومجلسه وطيبه وجواريه ، حواليه
الحسان من الخدم والقيان ، ومطعمه وشرابه وسروره وداره التي تعوض بها عن دار الاسلام ، وذكر
أنه دعاه إلى الاسلام والعود إلى الشام فقال : أبعد ما كان مني من الارتداد ؟ فقال : نعم ! إن
الأشعث بن قيس ارتد وقاتلهم بالسيوف ، ثم لما رجع إلى الحق قبله منه وزوجه الصديق بأخته أم
فروة ، قال : فالتهى عنه بالطعام والشراب ، وعرض عليه الخمر فأبى عليه ، وشرب جبلة من
الخمر شيئا كثيرا حتى سكر ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيدان من قول حسان يمدح بني عمه
هامش
( 1 ) في ابن سعد 1 / 265 : إني جاعل وجهي ندا لوجه جدي جاء من عمق .