تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
فابعث بجند إلى وادي القرى ليكونوا مددا لنا على قتال الشاميين . فجهز المختار ثلاثة آلاف عليهم شرحبيل بن ورس الهمداني ، ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة ، وقال له : سر حتى تدخل المدينة ، فإذا دخلت فاكتب إلي حتى يأتيك أمري ، وإنما يريد أخذ المدينة من ابن الزبير ، ثم يركب بعد ذلك إلى مكة ليحاصر ابن الزبير بها ، وخشي ابن الزبير أن يكون المختار بعث ذلك الجيش مكرا فبعث العباس بن سهل بن سعد الساعدي في ألفين ، وأمره أن يستعين بالأعراب وقال لهم : إن رأيتموهم في طاعتي وإلا فكايدوهم حتى يهلكهم الله . فأقبل العباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم ، وقد بقي ابن ورس في جيشه ، فاجتمعا على ماء هنالك ، فقال له العباس : ألستم في طاعة ابن الزبير ؟ فقال : بلى ، قال : فإنه قد أمرني أن نذهب إلى وادي القرى فنقاتل من به من الشاميين . فقال له ابن ورس : فإني لم أومر بطاعتك ، وإنما أمرني أن أدخل المدينة ثم أكتب إلى صاحبي فإنه يأمرني بأمره ، ففهم عباس مغزاه ولم يظهر له أنه فطن لذلك ، فقال له : رأيك أفضل ، فاعمل ما بدا لك . ثم نهض العباس من عنده وبعث إليهم الجزر والغنم والدقيق ، وقد كان عندهم حاجة شديدة إلى ذلك ، وجوع كثير ، فجعلوا يذبحون ويطبخون ويختبزون ويأكلون على ذلك الماء ، فلما كان الليل بيتهم عباس بن سهل فقتل أميرهم وطائفة منهم نحوا من سبعين ، وأسر منهم خلقا كثيرا فقتل أكثرهم ، ورجع القليل منهم إلى المختار وإلى بلادهم خائبين . قال أبو مخنف : فحدثني أبو يوسف أن عباس بن سهل انتهى إليهم وهو يقول : أنا ابن سهل فارس غير وكل * أروع مقدام إذا الكبش نكل وأعتلي رأس الطرماح البطل * بالسيف يوم الروع حتى ينجدل ( 1 ) فلما بلغ خبرهم المختار قام في أصحابه خطيبا فقال : إن الفجار الأشرار قتلوا الأبرار الأخيار ، ألا إنه كان أمر مأتيا ، وقضاء مقضيا . ثم كتب إلى محمد بن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثعمي : كتابا يذكر فيه أنه بعث إلى المدينة جيشا لنصرته فغدر بهم جيش ابن الزبير ، فإن رأيت أن أبعث جيشا آخر إلى المدينة وتبعث من قبلك رسلا إليهم فافعل ، فكتب إليه ابن الحنفية : أما بعد فإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه ، فأطع الله فيما أسررت وأعلنت ، واعلم أني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعا ، والأعوان لي كثيرة ، ولكني أعتزلهم وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين . وقال لصالح بن مسعود : قل للمختار فليتق الله وليكف عن الدماء . فلما انتهى إليه كتاب محمد بن الحنفية قال : إني قد أمرت بجمع البر واليسر ، وبطرح الكفر والغدر .
هامش
( 1 ) في الطبري 7 / 135 : ينخزل .