الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام ، وقد كان التف على عبد الله بن الزبير جماعة من
الخوارج يدافعون عنه ، منهم نافع بن الأزرق ، وعبد الله بن أباض ، وجماعة من رؤوسهم . فلما
استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم : إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل ولم تعلموا
رأيه في عثمان بن عفان - وكانوا ينتقصون عثمان - فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان فأجابهم فيه بما
يسوؤهم ، وذكر لهم ما كان متصفا به من الايمان والتصديق ، والعدل والاحسان والسيرة
الحسنة ، والرجوع إلى الحق إذا تبين له ، فعند ذلك نفروا عنه وفارقوه وقصدوا بلاد العراق
وخراسان ، فتفرقوا فيها بأبدانهم وأديانهم ومذاهبهم ومسالكهم المختلفة المنتشرة ، التي لا تنضبط
ولا تنحصر ، لأنها مفرعة على الجهل وقوة النفوس ، والاعتقاد الفاسد ، ومع هذا استحوذوا على
كثير من البلدان والكور ، حتى انتزعت منهم على ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله .
ذكر بيعة مروان بن الحكم
وكان سبب ذلك أن حصين بن نمير لما رجع من أرض الحجاز وارتحل عبيد الله بن زياد من
البصرة إلى الشام ، وانتقلت بنو أمية من المدينة إلى الشام ، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد
موت معاوية بن يزيد ، وقد كان معاوية بن يزيد قد عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق ، وقد
بايع أهلها الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام ،
والضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير ، وقد بايع لابن الزبير النعمان بن بشير بحمص ، وبايع له
زفر بن عبد الله الكلابي بقنسرين ، وبايع له نائل ( 1 ) بن قيس بفلسطين ، وأخرج منها روح بن زنباع
الجذامي ، فلم يزل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير بمروان بن الحكم يحسنون له أن يتولى ، حتى
ثنوه عن رأيه وحذروه من دخول سلطان ابن الزبير وملكه إلى الشام ، وقالوا له : أنت شيخ قريش
وسيدها : فأنت أحق بهذا الامر . فرجع عن البيعة لابن الزبير ، وخاف ابن زياد الهلاك إن تولى
غير بني أمية ، فعند ذلك التف هؤلاء كلهم مع قومه بني أمية ومع أهل اليمن على مروان ،
فوافقهم على ما أرادوا ، وجعل يقول ما فات شئ ، وكتب حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى
الضحاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير ، ويعرفه أيادي بني أمية عنده وإحسانهم ، ويذكر
فضلهم وشرفهم ، وقد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية ، وهو يدعو إلى ابن أخته
خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وبعث إلى الضحاك كتابا بذلك ، وأمره أن يقرأ كتابه على
أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر ، وبعث بالكتاب مع رجل يقال له ناغضة بن كريب الطابجي ،
وقيل هو من بني كلب وقال له : إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت ، فأعطاه الكتاب فسار إلى
الضحاك فأمره بقراءة الكتاب فلم يقبل ، فقام ناغض فقرأه على الناس فصدقه جماعة من أمراء
هامش
( 1 ) في الطبري والكامل : ناتل .