وقد مر به مروان وهو مجندل فقال : رحمك الله فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام
والسجود .
ثم أباح مسلم بن عقبة ، الذي يقول فيه السلف مسرف بن عقبة - قبحه الله من شيخ سوء
ما أجهله - المدينة ثلاث أيام كما أمره يزيد ، لا جزاه الله خيرا ، وقتل خلقا من أشرافها وقرائها
وانتهب أموالا كثيرة منها ، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد . فكان ممن قتل
بين يديه صبرا معقل بن سنان ، وقد كان صديقه قبل ذلك ( 1 ) ، ولكن أسمعه في يزيد كلاما غليظا
فنقم عليه بسببه ، واستدعى بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان بن الحكم وابنه عبد الملك ،
ليأخذ له بهما عنده أمانا ، ولم يشعر أن يزيد أوصاه به ، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب
- وقد كان مسلم بن عقبة حمل معه من الشام ثلجا إلى المدينة فكان يشاب له بشرابه - فلما جئ
بالشراب شرب مروان قليلا ثم أعطى الباقي لعلي بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانا ، وكان مروان
مواذا لعلي بن الحسين ، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الاناء في يده قال له : لا تشرب من
شرابنا ، ثم قال له : إنما جئت مع هذين لتأمن بهما ؟ فارتعدت يد علي بن الحسين وجعل لا يضع
الاناء من يده ولا يشربه ، ثم قال له : لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك ، ثم قال
له : إن شئت أن تشرب فاشرب ، وإن شئت دعونا لك بغيرها ، فقال : هذه الذي في كفي
أريد ، فشرب ثم قال له مسلم بن عقبة : قم إلى ههنا فاجلس ، فأجلسه معه على السرير وقال
له : إن أمير المؤمنين أوصاني بك ، وإن هؤلاء شغلوني عنك . ثم قال لعلي بن الحسين : لعل
أهلك فزعوا ، فقال : إي والله . فأمر بدابته فأسرجت ثم حمله عليها حتى رده إلى منزله مكرما .
ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان - ولم يكن خرج مع بني أمية - فقال له : إنك إن ظهر أهل
المدينة قلت أنا معكم ، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين ، ثم أمر به فنتفت لحيته بين
يديه - وكان ذا لحية كبيرة - .
قال المدائني : وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام ، يقتلون من وجدوا من الناس ،
ويأخذون الأموال . فأرسلت سعدى بنت عوف المرية إلى مسلم بن عقبة تقول له : أنا بنت عمك
فمر أصحابك أن لا يتعرضوا لإبلنا بمكان كذا وكذا ، فقال لأصحابه : لا تبدأوا إلا بأخذ إبلها
أولا . وجاءته امرأة فقالت : أنا مولاتك في الأسارى ، فقال : عجلوه لها ، فضربت عنقه ، وقال : أعطوه
رأسه ، أما ترضين أن لا يقتل حتى تتكلمي في ابنك ؟ ووقعوا على النساء حتى قيل إنه حبلت ألف
امرأة في تلك الأيام من غير زوج فالله أعلم . قال المدائني عن أبي قرة قال : قال هشام بن حسان :
ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج . وقد اختفى جماعة من سادات
هامش
( 1 ) في ابن الأعثم 5 / 297 - 298 : قال مسلم : ابن عمي ، وقال معقل : أنا ابن عمك ، فأنا رجل من أشجع
وأنت من بني مرة ويجمع وإياك قيس غيلان .