تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
زمرا ، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن ، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي ، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية ، إلى جهنم الحامية ، يرمى به في الحامية الهاوية . وقال بعضهم : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية ، إذ جاء رجل فقال عمر : يا رسول الله هذا يتنقصنا ، فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال : " ويلك ! أوليس هو من أصحابي ؟ قالها ثلاثا ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربة فناولها معاوية فقال : جابها في لبته " فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات ، وهو راشد الكندي . وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول : معاوية من الصحابة ، من العلماء الكبار ، ولكن ابتلى بحب الدنيا . وقال العتبي : قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب ؟ فقال : كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه ، فإن أصبت لم أحمد ، وإن أخطأت سارت بها البرود . وقال الشعبي وغيره : أصابت معاوية في آخر عمره لوقة ( 1 ) ، وروى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصي مولى معاوية قال : اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة ، وبيده قضيب ، فجعل يهوي به إلى متاعها - يعني فرجها - ويقول : هذا المتاع لو كان لي متاع ، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية ، ثم قال : لا ! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال : إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك ، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد ، قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ! فإنها لا تصلح له ، فقال : نعم ما رأيت ، قال : ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أسود فقال له : بيض بها ولدك ، وهذا من فقه معاوية ونحريه ، حيث كان نظر إليها بشهوة ، ولكنه استضعف نفسه عنها ، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) * [ النساء : 22 ] وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشي الدمشقي . وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية ، فقال لهم في الطريق : إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك ، فلما دخل عليه عمرو قبلهم ، قال معاوية لحاجبه : أدخلهم ، وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم ، وقال : إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شئ ؟ . فلما أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول : السلام عليك يا رسول الله ، فلما نهض عمرو من عنده قال : قبحكم الله ! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة .
هامش
( 1 ) قال الجاحظ في البيان والتبيين 3 / 134 لما سقطت ثنيتا معاوية لف وجهه بعمامة ، ثم خرج إلى الناس فقال : لئن ابتليت لقد ابتلى الصالحون قبلي ، وإني لأرجو أن أكون منهم ، ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي ، وما آمن أن أكون منهم ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر . . .
البداية والنهاية — صفحة 149 | ابن كثير / علي شيري