عامر وابن الزبير فقام له ابن عامر ولم يقم له ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : إجلس ! فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب أن يتمثل له العباد قياما فليتبوأ مقعده من النار " .
ورواه أبو داود والترمذي من حديث حبيب بن الشهيد ، وقال الترمذي : حديث حسن . وروى
أبو داود من حديث الثوري عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد المقري الحمصي ، عن معاوية .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم " .
قال : كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها . تفرد به أحمد - يعني أنه كان جيد السيرة ، حسن
التجاوز ، جميل العفو ، كثير الستر رحمه الله تعالى - وثبت في الصحيحين : من حديث الزهري ،
عن حميد بن عبد الرحمن ، عن معاوية . أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من يرد الله به
خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطي ، ولا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا
يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون " . وفي رواية " وهم على
ذلك " وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال : وهذا مالك بن يخامر يخبر عن معاذ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم بالشام - يحث بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق : " وإن أهل الشام
هم الطائفة المنصورة على من خالفها " وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل
العراق . وقال الليث بن سعد : فتح معاوية قيسارية سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب .
وقال غيره : وفتح قبرص سنة خمس وقيل سبع ، وقيل ثمان وعشرين في أيام عثمان . قالوا :
وكان عام غزوة المضيق - يعني مضيق القسطنطينية - في سنة ثنتين وثلاثين في أيامه وكان هو الأمير
على الناس عامئذ . وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام ، وقيل إن عمر هو الذي جمعها له ، والصحيح
عثمان . واستقضى معاوية فضالة بن عبيد بعد أبي الدرداء ، ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل
عثمان ، على سبيل الاجتهاد والرأي ، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدمنا ، وكان الحق والصواب
مع علي ، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفا وخلفا ، وقد شهدت الأحاديث الصحيحة
بالاسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - كما ثبت في الحديث الصحيح " تمرق
مارقة على خير فرقة من المسلمين ، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق " ( 1 ) فكانت المارقة الخوارج ،
وقتلهم علي وأصحابه ، ثم قتل علي فاستقل معاوية بالامر سنة إحدى وأربعين ، وكان يغزو الروم
في كل سنة مرتين ، مرة في الصيف ومرة في الشتاء ، ويأمر بجلا من قومه فيحج بالناس ، وحج هو
سنة خمسين ، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين . وفيها أو في التي بعدها أغزاه بلاد الروم فسار
معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية ، وقد ثبت في الصحيح : " أول جيش
يغزو القسطنطينية مغفور لهم " . وقال وكيع عن الأعمش عن أبي صالح . قال : كان الحادي
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد في الزكاة ( 47 ) باب . ح ( 150 ) و ( 151 ) وفيه : تمرق مارقة عند
فرقة المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق . وفي رواية من طريق أبي أحمد : تقتلهم أقرب الطائفتين من الحق
ح ( 153 ) . ص 2 / 746 .