أيوب عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة : أن أبا هريرة مرض فدخلت عليه أعوده فقلت :
اللهم اشف أبا هريرة ، فقال : اللهم لا ترجعها ، ثم قال : يا أبا سلمة يوشك أن يأتي على الناس
زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر . وروى عطاء عن أبي هريرة قال : إذا
رأيتم ستا فإن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها ، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني ، إذا
أمرت السفهاء ، وبيع الحكم ، وتهون بالدم ، وقطعت الأرحام ، وكثرت الجلاوزة ، ونشأ نشو
يتخذون القرآن مزامير . وقال ابن وهب : حدثنا عمرو بن الحارث ، عن يزيد بن زياد القرظي :
أن ثعلبة بن أبي مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتي حطب - وهو يومئذ
أمير لمروان بن الحكم - فقال : أوسع الطريق للأمير يا بن أبي مالك ، فقلت يرحمك الله يكفي
هذا ! فقال : أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه .
وله فضائل ومناقب كثيرة وكلام حسن ومواعظ جمة ، أسلم كما قدمنا عام خيبر ، فلزم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ، ووصاه به ، فجعله
العلاء مؤذنا بين يديه ، وقال له أبو هريرة : لا تسبقني بآمين أيها الأمير . وقد استعمله عمر بن
الخطاب عليها في أيام إمارته ، وقاسمه مع جملة العمال . قال عبد الرزاق : حدثنا معمر : عن
أيوب ، عن ابن سيرين . أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف ، فقال له
عمر : استأثرت بهذا الأموال أي عدو الله وعدو كتابه ؟ فقال أبو هريرة : لست بعدو الله ولا عدو
كتابه ، ولكن عدو من عاداهما . فقال : فمن أين هي لك ؟ قال : خيل نتجت ، وغلة ورقيق
لي ، وأعطية تتابعت علي . فنظروا فوجدوه كما قال . فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى
أن يعمل له ، فقال له : تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك ؟ طلبه يوسف عليه السلام ،
فقال : إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي ، وأنا أبو هريرة بن أمية وأخشى ثلاثا واثنين ، قال
عمر : فهلا قلت خمسة ؟ قال : أخشى أن أقول بغير علم ، وأقضي بغير حلم ، أو يضرب
ظهري ، وينزع مالي ، ويشتم عرضي . وذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الأولى اثنى عشر ألفا
فلهذا امتنع في الثانية . وقال عبد الرزاق : عن معمر ، عن محمد بن زياد . قال : كان معاوية
يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله وولى مروان بن الحكم ، فإذا جاء أبو هريرة إلى
مروان حجبه عنه ، فعزل مروان ورجع أبو هريرة ، فقال لمولاه : من جاءك فلا ترده واحجب
مروان ، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فلما دخل إلا بعد جهد جهيد ، فلما دخل قال : إن
الغلام حجبنا عنك ، فقال له أبو هريرة : إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك . والمعروف أن
مروان هو الذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة ، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك
والله أعلم . وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي رافع : كان مروان ربما استخلف أبا هريرة
على المدينة فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول : الطريق قد جاء الأمير - يعني نفسه - وكان يمر
بالصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الاعراب ، وهو أمير ، فلا يشعرون إلا وقد ألقى نفسه بينهم
البداية والنهاية — صفحة 121
مساهمون: ابن كثير
ص١٢١