فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج مزهر ، إذ أنكرت بصرها ، فقالت : سراجكم طفئ ؟ قالوا :
لا ، قالت : إن الله أذهب بصري ، فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إليه ،
فدعا الله فرد بصرها ، ورجعت امرأته على حالها التي كانت عليها * وأما قصة المائدة التي قال الله
تعالى : * ( إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء
قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا
ونكون عليها من الشاهدين * قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا
عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين * قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر
بعد منكم فإني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) * [ المائدة : 112 ] وقد ذكرنا في التفسير
بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين ، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت ،
واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على أقوال ، وذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير ، الذي فتح
البلاد المغربية أيام بني أمية وجد المائدة ، ولكن قيل : إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر
وهي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات ، فتسلمها أخوه
سليمان ، وقيل : إنها مائدة عيسى * لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير
واحد من العلماء والله أعلم * والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل ( 1 ) وقد كانت
موائد رسول الله صلى الله عليه وسلم تمد من السماء وكانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه ، وكم قد
أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات صلى الله عليه وسلم ما تعاقبت الأوقات ، وما دامت الأرض
والسماوات * وهذا أبو مسلم الخولاني ، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا
عجيبا وشأنا غريبا ، حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال : أتى أبا
مسلم الخولاني نفر من قومه فقالوا : يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج ؟ قال : بلى لو أصبت لي
أصحابا ، فقالوا : نحن أصحابك ، قال : لستم لي بأصحاب إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد
ولا المزاد ، فقالوا : سبحان الله ، وكيف يسافر أقوام بلا زاد ولا مزاد ؟ قال لهم : إلا ترون إلى
الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها ؟ وهي لا تبيع ولا تشتري ، ولا تحرث ولا تزرع
والله يرزقها ؟ قال : فقالوا : فإنا نسافر معك ، قال : فهبوا على بركة الله تعالى ، قال : فغدوا من
غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد ، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا : يا أبا مسلم طعام لنا وعلف
لدوابنا ، قال : فقال لهم : نعم ، فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين ، ثم
جثى على ركبتيه فقال : إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي ، وإنما خرجت آمرا لك ، وقد رأيت
البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى ، وإنا أضيافك وزوارك ،
فأطعمنا ، واسقنا ، واعلف دوابنا ، قال : فأتي بسفرة مدت بين أيديهم ، وجئ بجفنة من
ثريد ، وجئ بقلتين من ماء ، وجئ بالعلف لا يدرون من يأتي به ، فلم تزل تلك حالهم منذ
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، والظاهر أن فيه سقطا .