تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيت ثلاث علامات مضروبات ، علم بالمشرق ، وعلم بالمغرب ، وعلم على ظهر الكعبة ، فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا ، فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء ، وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا ، فولدت محمدا ، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل ، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته ، فغيب عن عيني ، فسمعت مناديا ينادي يقول : طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شرق الأرض وغربها ، وأدخلوه البحار كلها ، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ، ويعلموا أنه سمي الماحي ، لا يبقى شئ من الشرك إلا محي به ، قالت ، ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فإذا أنابه مدرج في ثوب صوف أبيض ، أشد بياضا من اللبن ، وتحته حريرة خضراء ، وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، وإذا قائل يقول ، قبض محمد مفاتيح النصر ، ومفاتيح الريح ، ومفاتيح النبوة * هكذا أورده وسكت عليه ، وهو غريب جدا * وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا ، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصري ( 1 ) ، الماهر الحافظ للأحاديث واللغة ، ذو المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضي الله عنه ، وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان ضرير البصر ، بصير البصيرة ، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة ، قتله التتار في كل بنة ( 2 ) بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه ، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة ، وعليه التكلان ، قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه : محمد المبعوث للناس رحمة * يشيد ما أوهى الضلال ويصلح لئن سبحت صم الجبال مجيبة * لداود أو لان الحديد المصفح فإن الصخور الصم لانت بكفه * وإن الحصا في كفه ليسبح وإن كان موسى أنبع الماء من العصا * فمن كفه قد أصبح الماء يطفح وإن كانت الريح الرخاء مطيعة * سليمان لا تألو تروح وتسرح فإن الصبا كانت لنصر نبينا * برعب على شهر به الخصم يكلح وإن أوتي الملك العظيم وسخرت * له الجن تشفي مارضيه وتلدح ( 3 ) فإن مفاتيح الكنوز بأسرها * أتته فرد الزاهد المترجح وإن كان إبراهيم أعطي خلة * وموسى بتكليم على الطور يمنح فهذا حبيب بل خليل مكلم * وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح
هامش
( 1 ) الصرصري نسبة إلى صرصر وهي قرية قريبة من بغداد ، اشتهر بمدائحه للرسول صلى الله عليه وآله وشعره طبقه عالية ، كان فصيحا بليغا ، كان ضريرا وقد قتله التتار فيما قاله الذهبي . ( 2 ) كذا بالأصل . ( 3 ) تلدح : من اللدح وهو الضرب باليد .
البداية والنهاية — صفحة 331 | ابن كثير / علي شيري