تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
بر ثلاث ليال تباعا ، وكان فراشه من أدم وحشوه ليف ، وربما اعتقل الشاة فيحلبها ، ورقع ثوبه ، وخصف نعله بيده الكريمة ، صلوات الله وسلامه عليه ، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لأهله ، هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا ، على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأسرى والمساكين * وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حملت به في منامها ، وما قيل لها : إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا ، وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم * وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الافتتاح ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ولله الحمد * فقال : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح ، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي ، أنا أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه . قال : قال ابن عباس : فكان من دلالات حمل محمد صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة : قد حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة ، وهو أمان الدنيا وسراج أهلها ، ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها ، وانتزع علم الكهنة منها ، ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا ، والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك ، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات ، وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا ، وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السماوات : أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا قال : وبقي في بطن أمه تسعة أشهر ، وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيدنا ، بقي نبيك هذا يتيما ، فقال الله تعالى للملائكة : أنا له ولي وحافظ ونصير ، فتبركوا بمولده ميمونا مباركا . وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته ، وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول : أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال : يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا ، فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي ، شأنك . قال : وكانت تحدث عن نفسها وتقول : لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ، ذكر ولا أنثى ، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافة ، قالت : فسمعت وجبة شديدة ، وأمرا عظيما ، فهالني ذلك ، وذلك يوم الاثنين ، ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد ، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا ، وكنت عطشانة ، فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال ، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال ، كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي ، فبينا أنا أعجب وأقول : وا غوثاه ، من أين علمن بي ؟ واشتد بي الامر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول ، وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين الأرض ، وإذا قائل يقول : خذوه عن أعين الناس ، قالت : رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان ، أطيب ريحا من المسك الأذفر ، وأنا أقول : يا ليت عبد المطلب قد دخل علي ، قالت : ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي ، مناقيرها من الزمرد ، وأجنحتها من اليواقيت ، فكشف الله لي عن بصيرتي ، فأبصرت