تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
الرابعة ، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها ، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور ، ثم جاوز ذلك المقام ، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام ، وجاء سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وغير ذلك من الآيات الكبرى ، وصلى بالأنبياء ، وشيعه من كل مقربوها ، وسلم عليه رضوان خازن الجنان ، وملك خازن النار ، فهذا هو الشرف ، وهذه هي الرفعة ، وهذا هو التكريم والتنويه والاشهار والتقديم والعلو والعظمة . صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ، وأما رفع ذكره في الآخرين ، فإن دينه باق ناسخ لكل دين ، ولا ينسخ هو أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين ، ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ، والنداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وهكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته ، وما أحسن قول حسان . أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الاله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وقال الصرصري رحمه الله : ألم تر أنا لا يصح أذاننا * ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما القول فيما أوتي داود عليه السلام قال الله تعالى : * ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق * والطير محشورة كل له أواب ) * [ ص : 17 ] وقال تعالى : * ( ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير ) * [ سبأ : 10 ] وقد ذكرنا قصته عليه السلام في التفسير ، وطيب صوته عليه السلام ، وأن الله تعالى كان قد سخر له الطير تسبح معه ، وكانت الجبال أيضا تجيبه وتسبح معه ، وكان سريع القراءة ، يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ، صلوات الله وسلامه عليه ، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن ، قال جبير بن مطعم : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب بالتين والزيتون ، فما سمعت صوتا أطيب من صوته صلى الله عليه وسلم ، وكان يقرأ ترتيلا كما أمره الله عز وجل بذلك * وأما تسبيح الطير مع داود ، فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك ، وقد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن حامد : وهذا حديث معروف مشهور ، وكانت الأحجار والأشجار والمدر تسلم عليه صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال : لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل - يعني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم - وكلمه ذراع الشاة المسمومة ، وأعلمه بما فيه من السم ،
البداية والنهاية — صفحة 317 | ابن كثير / علي شيري