تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
والجندل الصخر ، فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ ، قال الله تعالى : * ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) * الآية [ البقرة : 74 ] وأما قوله تعالى : * ( قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم ) * الآية [ الاسراء : 50 ] فذلك لمعنى آخر في التفسير ، وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج ، فإذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر والله أعلم * وقال أبو نعيم : فإن قيل : فقد لين الله لداود عليه السلام الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ ، قيل : لينت لمحمد صلى الله عليه وسلم الحجارة وصم الصخور ، فعادت له غارا استتر به من المشركين ، يوم أحد ، مال إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه ، وهذا أعجب لان الحديد تلينه النار ، ولم نر الناس تلين الحجر ، قال : وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس . قال : وكذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه ( 1 ) إليه فلان الحجر حتى أدرأ فيه بذراعيه وساعديه ، وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه . وعادت الصخرة ليلة أسري به كهيئة العجين ، فربط بها دابته - البراق - وموضعه يمسونه الناس إلى يومنا هذا . وهذا الذي أشار إليه ، من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا ، ولعله قد أسنده هو فيما سلف ، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة . وأما ربط الدابة في الحجر فصحيح ، والذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلم رحمه الله * وأما قوله : وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب ، فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم والشرعة التي شرعت له ، أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ، فإن الله جمع له محاسن من كان قبله ، وفضله ، وأكمله [ وآتاه ] ما لم يؤت أحدا قبله ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : أوتيت جوامع الكلم ، واختصرت لي الحكمة اختصارا * ولا شك أن العرب أفصح الأمم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصحهم نطقا ، وأجمع لكل خلق جميل مطلقا * القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام قال الله تعالى : * ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) * [ ص : 36 - 40 ] وقال تعالى : * ( ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين * ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ) * [ الأنبياء : 81 ] وقال تعالى : * ( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) * [ سبأ : 12 ] وقد بسطنا ذلك في قصته ، وفي التفسير أيضا ، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وصححه الترمذي وابن حبان