تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فلم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت لأبي بكر : أين صاحبك ؟ فقال : وماله ؟ فقالت : إنه هجاني ، فقال : ما هجاك ، فقالت : والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر ، ثم رجعت وهي تقول : مذمما أتينا * ودينه قلينا * وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ، فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه ، فرجع القهقري وهو يتقي بيديه ، فقالت له قريش : مالك ، ويحك ؟ فأخبرهم بما رأى ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ، لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا * وكذلك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه ، وأرسلوا إلى بيته رجلا يحرسونه لئلا يخرج ، ومتى عاينوه قتلوه ، فأمر عليا فنام على فراشه ، ثم خرج عليهم وهم جلوس ، فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول : شاهت الوجوه ، فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور ، كما بسطنا ذلك في السيرة ، وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمي الله عليهم مكانه ، وفي الصحيح أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا ، فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك بإثنين الله ثالثهما ( 1 ) ؟ وقد قال بعض الشعراء في ذلك : نسج داود ما حمى صاحب الغار * وكان الفخار للعنكبوت وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعهم ، بسقوط قوائم فرسه في الأرض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة * وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم عليه السلام ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى ، ببذل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا ، من هشم رأسه ، وكسر ثنيته اليمنى السفلى ، كما تقدم بسط ذلك في السيرة * ثم قال : قالوا : كان إبراهيم عليه السلام ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما ، قلنا : وقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ، وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية ، فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله ، والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار * قلت : وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر ، ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك الشاة المسمومة ، وأخبر ذراعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أودع فيه من السم ، وكان قد نهش منه نهشة ، وكان السم فيه أكثر ، لأنهم كانوا يفهمون أنه صلى الله عليه وسلم يحب الذراع ، فلم يضره السم الذي حصل في باطنه بإذن الله عز وجل ، حتى انقضى أجله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الذي كان في تلك الاكلة ، صلى الله عليه وسلم * وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي ، فاتح بلاد الشام ، أنه أتي بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك ، فلم ير بأسا ، رضي الله عنه * ثم قال أبو نعيم : فإن قيل : فإن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته ، قال الله تعالى :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة . الحديث ( 3653 ) فتح الباري ( 7 / 8 ) وفي مناقب الأنصار باب ( 45 ) وأخرجه الترمذي في التفسير حديث ( 3096 ) ص ( 5 / 278 ) والإمام أحمد في المسند ( 1 / 4 ) .
البداية والنهاية — صفحة 303 | ابن كثير / علي شيري