تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
أبي سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه وأهله ينتظرون ما يأمرهم به ، فوجده يكلم الناس وهم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس ، ثم أعلمه فلم يلتفت إليه ، ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله ، فقال : اذهب فاجلس فيه ، فذهب أحمد بن أبي الحواري إلى التنور فجلس فيه وهو يتضرم نارا فكان عليه بردا وسلاما ، وما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله : قوموا بنا إلى أحمد بن أبي الحواري ، فإني أظنه قد ذهب إلى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته ، فذهبوا فوجدوه جالسا فيه ، فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان وأخرجه منه ، رحمة الله عليهما ورضي الله عنهما * وقال شيخنا أبو المعالي : وأما إلقاؤه - يعني إبراهيم عليه السلام - من المنجنيق ، فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب ، وأن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به وأغلقوا الباب ، فقال البراء بن مالك : ضعوني على برش واحملوني على رؤوس الرماح ثم ألقوني من أعلاها داخل الباب ، ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقع وقام وقاتل المشركين ، وقتل مسيلمة * قلت : وقد ذكر ذلك مستقصى في أيام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة ، وكانوا في قريب [ من ] مائة ألف أو يزيدون ، وكان المسلمون بضعة عشر ألفا ، فلما التقوا جعل كثير من الاعراب يفرون ، فقال المهاجرون والأنصار : خلصنا يا خالد ، فميزهم عنهم ، وكان المهاجرون والأنصار قريبا من ألفين وخمسمائة ، فصمموا الحملة يتدابرون ويقولون : يا أصحاب سورة البقرة ، بطل السحر اليوم ، فهزموهم بإذن الله ولجأوهم إلى حديقة هناك ، وتسمى حديقة الموت ، فتحصنوا بها ، فحصروهم فيها ، ففعل البراء بن مالك ، أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها ، ثم ألقى نفسه عليهم ونهض سريعا إليهم ، ولم يزل يقاتلهم وحده ويقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة ودخل المسلمون يكبرون وانتهوا إلى قصر مسيلمة وهو واقف خارجه عند جدار كأنه جمل أزرق - أي من سمرته - فابتدره وحشي بن حرب الأسود ، قاتل حمزة ، بحربته ، وأبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري - وهو الذي ينسب إليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكاني - فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه ، وجاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله ، لكن صرخت جارية من فوق القصر : وا أميراه ، قتله العبد الأسود ، ويقال : إن عمر مسيلمة يوم قتل مائة وأربعين سنة ، لعنه الله ، فمن طال عمره وساء عمله قبحه الله * وهذا ما ذكره شيخنا فيما يتعلق بإبراهيم الخليل عليه السلام . وأما الحافظ أبو نعيم فإنه قال : فإن قيل : فإن إبراهيم اختص بالخلة مع النبوة ، قيل : فقد اتخذ الله محمدا خليلا وحبيبا ، والحبيب ألطف من الخليل . ثم ساق من حديث شعبة عن أبي إسحاق بن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله * وقد رواه مسلم من طريق شعبة والثوري عن أبي إسحاق ، ومن طريق عبد الله بن مرة ، وعبد الله بن أبي الهديل ، كلهم عن أبي الأحوص ، عوف بن مالك الجشيمي ، قال : سمعت
البداية والنهاية — صفحة 300 | ابن كثير / علي شيري