تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
عن طعامي ، قالوا : يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام ، وهو أحدثنا سنا فتخلف في رحالنا . قال لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم . قال فقال رجل من قريش مع القوم : واللات والعزى ، إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا . ثم قال إليه فاحتضنه ( 1 ) وأجلسه مع القوم ، فلما رأى ( 2 ) بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده ، قد كان يجدها عنده من صفته ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا غلام : أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه . وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما ( 3 ) فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لا تسألني باللات والعزى شيئا . فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما . فقال له بحيرى : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له سلني عما بدا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره . فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته . ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده ، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب ، فقال [ له ] ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال : فإنه ابن أخي . قال فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه حبلى به ، قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود . فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده ، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ( 4 ) . قال ابن إسحاق : فزعموا فيما روى الناس أن زريرا ، وثماما ، ودريسما ( 5 ) - وهم نفر من أهل الكتاب - قد كانوا رأوا [ من ] رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما رأى بحيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرى . فذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم [ إن ] أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ، حتى عرفوا ما قال لهم ، وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا عنه . وقد ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن أبا طالب قال في ذلك ثلاث قصائد هكذا ذكر ابن إسحاق هذا السياق من غير اسناد منه . وقد ورد نحوه من طريق مسند مرفوع . فقال الحافظ أبو بكر الخرائطي حدثنا عباس بن محمد الدوري حدثنا قراد أبو نوح حدثنا
هامش
( 1 ) احتضنه : هنا : أي أجلسه إلى جنبه . ( 2 ) فلما رآه عن ابن إسحاق . ( 3 ) يقال إنه سأله باللات والعزى اختبارا ، ولعل هذا مناسب أكثر . ( 5 ) في ابن هشام : زريرا وتماما ودريسا . وفي الدلائل للبيهقي : زبيرا وثماما ودريسا . ( 4 ) قال أبو عمر بن عبد البر كانت رحلة أبي طالب ثلاث عشرة من الفيل . وقال أبو الحسن الماوردي خرج به عمه أبو طالب في تجارة وهو ابن تسع سنين . وذكر ابن سعد بإسناد له عن داود بن الحصين أنه كان ابن اثنتي عشرة سنة .
البداية والنهاية — صفحة 346 | ابن كثير / علي شيري