تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
ومعائبها لما يريد [ به ] من كرامته حتى بلغ أن كان رجلا ، أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم مخالطة ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما وأمانة ، وأصدقهم حديثا ، وأبعدهم من الفحش والأذى . ما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا ، حتى سماه قومه الأمين . لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضده حتى مات . وقال محمد بن سعد : أخبرنا خالد بن معدان ( 1 ) حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز أن عبد المطلب - أو أبا طالب شك خالد - قال لما مات عبد الله عطف على محمد ، فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه ، وإنه توجه نحو الشام فنزل منزلا فأتاه فيه راهب . فقال إن فيكم رجلا صالحا : ثم قال أين أبو هذا الغلام ؟ قال فقال ها أنا ذا وليه - أو قيل هذا وليه - قال احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام ، إن اليهود حسد ، وإني أخشاهم عليه . قال : ما أنت تقول ذلك ، ولكن الله يقوله . فرده ، وقال : اللهم إني أستودعك محمد ! ثم إنه مات .

قصة بحيرا

حكى السهيلي عن سير الزهري أن بحيرى كان حبرا من أحبار يهود . قلت : والذي يظهر من سياق القصة أنه كان راهبا نصرانيا والله أعلم . وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جرجيس ( 2 ) . وفي كتاب المعارف لابن قتيبة سمع هاتف في الجاهلية قبل الاسلام بقليل يهتف ويقول : ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة ، بحيرى ، ورئاب بن البراء الشني ، والثالث المنتظر . وكان الثالث المنتظر هو الرسول صلى الله عليه وسلم . قال ابن قتيبة وكان قبر رئاب الشني وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش ، وهو المطر الخفيف .

فصل

في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له ، وحياطته ، وكيف كان يتيما فأواه وعائلا فأغناه قال محمد بن إسحاق : فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ، لما يريد من كرامته ورسالته ، حتى بلغ أن كان رجلا ، أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم حسبا ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما ، حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين ، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال : " لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما
هامش
( 1 ) في ابن سعد : خالد بن خداش . ج 1 / 120 - 121 . ( 2 ) في المسعودي سرجس وكان مؤمنا على دين المسيح عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم .