وما اخترت قول الشافعي ديانة ( 1 ) * ولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر * إلى مالك فانظر ( 2 ) إلى ما أنت قائل ؟
الست الجليلة زمرد خاتون
أم الخليفة الناصر لدين الله زوجة المستضئ ، كانت صالحة عابدة كثيرة البر والاحسان
والصلات والأوقاف ، وقد بنت لها تربة إلى جانب قبر معروف ، وكانت جنازتها مشهورة جدا ،
واستمر العزاء بسببها شهرا ، عاشت في خلافة ولدها أربعا وعشرين سنة نافذة الكلمة مطاعة
الأوامر .
وفيها كان مولد الشيخ شهاب الدين أبي شامة ، وقد ترجم نفسه عند ذكر مولده في هذه
السنة في الذيل ترجمة مطولة ، فينقل إلى سنة وفاته ، وذكر بدو أمره ، واشتغاله ومصنفاته وشيئا
كثيرا من شعاره ، وما رئي له من المنامات المبشرة . وفيها كان ابتداء ملك جنكيز خان ملك
التتار ، عليه من الله ما يستحقه ، وهو صاحب الباسق وضعها ليتحاكموا إليها - يعني التتار ومن
معهم من أمراء - الترك ممن يبتغي حكم الجاهلية وهو والد تولى ، وجد هو لاكو بن تولى - الذي
قتل الخليفة المستعصم وأهل بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى
في موضعه . والله سبحانه وتعالى أعلم .
سنة ستمائة من الهجرة
في هذه السنة كانت الفرنج قد جمعوا خلقا منهم ليستعيدوا بيت المقدس من أيدي
المسلمين ، فأشغلهم الله عن ذلك بقتال الروم ، وذلك أنهم اجتازوا في طريقهم بالقسطنطينية
فوجدوا ملوكها قد اختلفوا فيما بينهم ، فحاصروها حتى فتحوها قسرا ، وأباحوها ثلاثة أيام قتلا
وأسرا ، وأحرقوا أكثر من ربعها ، وما أصبح أحد من الروم في هذه الأيام الثلاثة إلا قتيلا أو فقيرا
أو مكبولا أو أسيرا ، ولجأ عامة من بقي منها إلى كنيستها العظمى المسماة بأياصوفيا ، فقصدهم
الفرنج فخرج إليهم القسيسون بالأناجيل ليتوسلوا إليهم ويتلوا ما فيها عليهم ، فما التفتوا إلى شئ
من ذلك ، بل قتلوهم أجمعين أكتعين أبصعين . وأخذوا ما كان في الكنيسة من الحلى والاذهاب
والأموال التي لا تحصى ولا تعد ، وأخذوا ما كان على الصلبان والحيطان ، والحمد لله الرحيم
الرحمن ، الذي ما شاء كان ، ثم اقترع ملوك الفرنج وكانوا ثلاثة وهم دوق البنادقة ، وكان شيخا
أعمى يقاد فرسه ، ومركيس الافرنسيس وكندا بلند ، وكان أكثرهم عددا وعددا . فخرجت
هامش
( 1 ) في الوافي بالوفيات 2 / 116 : وما اخترت رأى الشافعي تدينا .
( 2 ) في الوافي : فافطن لما أنت ، وفي وفيات الأعيان : لما أنا .