القرعة له ثلاث مرات ، فولوه ملك القسطنطينية وأخذ الملكان الآخران بعض البلاد ( 1 ) ، وتحول
الملك من الروم إلى الفرنج بالقسطنطينية في هذه السنة ولم يبق بأيدي الروم هنالك إلا ما وراء
الخليج ، استحوذ عليه رجل من الروم يقال له تسكرى ( 2 ) ، ولم يزل مالكا لتلك الناحية حتى
توفي . ثم إن الفرنج قصدوا بلاد الشام وقد تقووا بملكهم القسطنطينية فنزلوا عكا وأغاروا على كثير
من بلاد الاسلام من ناحية الغور وتلك الأراضي ، فقتلوا وسبوا ، فنهض إليهم العادل وكان
بدمشق ، واستدعى الجيوش المصرية والشرقية ونازلهم بالقرب من عكا ، فكان بينهم قتال شديد
وحصار عظيم ، ثم وقع الصلح بينهم والهدنة وأطلق لهم شيئا من البلاد ( 3 ) فإنا لله وإنا إليه
راجعون .
وفيها جرت حروب كثيرة بين الخوارزمية والغورية بالمشرق يطول ذكرها . وفيها تحارب
صاحب الموصل نور الدين وصاحب سنجار قطب الدين وساعد الأشرف بن العادل القطب ، ثم
اصطلحوا وتزوج الأشرف أخت نور الدين ، وهي الأتابكية بنت عز الدين مسعود بن مودود بن
زنكي ، واقفة الأتابكية التي بالسفح ، وبها تربتها . وفيها كانت زلزلة عظيمة بمصر والشام
والجزيرة وقبرص وغيرها من البلاد . قاله ابن الأثير في كامله . وفيها تغلب رجل من التجار يقال
له محمود بن محمد الحميري على بعض بلاد حضرموت ظفار وغيرها ، واستمرت أيامه إلى سنة تسع
عشرة وستمائة وما بعدها .
وفي جمادى الأولى منها عقد مجلس لقاضي القضاة ببغداد وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن
سليمان الجيلي بدار الوزير ، وثبت عليه محضر بأنه يتناول الرشا فعزل في ذلك المجلس وفسق
ونزعت الطرحة عن رأسه ، وكانت مدة ولايته سنتين وثلاثة أشهر .
وفيها كانت وفاة الملك ركن الدين بن قلج أرسلان ، كان ينسب إلى اعتقاد الفلاسفة ،
وكان كهفا لمن ينسب إلى ذلك ، وملجأ لهم ، وظهر منه قبل موته تجهرم عظيم ، وذلك أنه حاصر
أخاه شقيقه - وكان صاحب أنكورية ، وتسمى أيضا أنقرة - مدة سنين حتى ضيق عليه الأقوات بها
فسلمها إليه قسرا ، على أن يعطيه بعض البلاد . فلما تمكن منه ومن أولاده أرسل إليهم من قتلهم
غدرا وخديعة ومكرا فلم ينظر بعد ذلك إلا خمسة أيام فضربه الله تعالى بالقولنج سبعة أيام ومات
( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) [ الدخان : 29 ] وقام بالملك من بعده ولده
هامش
( 1 ) أخذ دون البنادقة الجزائر البحرية مثل جزيرة اقريطش ورودس وغيرهما . ويكون لمركيس الافرنسيين البلاد التي
هي شرقي الخليج مثل أزنيق ولاذيق . ( الكامل 12 / 192 ) .
( 2 ) في ابن الأثير : لشكري .
( 3 ) نزل لهم العادل عن جميع المناصفات في الصيدا والرملة ، وأعطاهم ناصرة وغيرها . ( الكامل 12 / 195 وابن
خلدون 5 / 340 ) .